العِشْرةُ.. جَمالُ الحُبِّ المُقيم

في زمنٍ يطغى فيه البريقُ السريع للحبِّ المُعلَن، وتُقدَّس فيه الكلماتُ الطرية من “أحبك” و”أشتاق لك” في بدايات اللقاء، يغيب عن وعي كثيرين جوهرُ العلاقة الحقيقية، ولبُّ الرابط الأعمق بين اثنين: “العِشْرة”، ذلك الحبّ الذي لا يُعلَن بل يُعاش.
العشرةُ ليست زمنًا ممتدًّا فقط، بل هي زَمَنٌ مملوءٌ بالفعل، مُثقَلٌ بالمعاني، مترفٌ بالتضحية، مطرّزٌ بالمواقف، مفعمٌ بالصبر، حافلٌ بالصمتِ المُشبَعِ بالرضا، لا بالحروف المتراصّة على اللسان.
العِشْرةُ ليست ضدّ الحب، بل هي الحب وقد بلغ سنّ الرُشد
الحبّ في أول العمر، عاطفةٌ عنيفة، صاخبة، تُشبه اشتعال النار في هشيم القلوب. أمّا العِشْرة، فهي نارُ الحُبّ وقد سكنت، لم تخمد، لكنها باتت تهبُ دفئًا لا لهبًا. فالعشرةُ هي نُضجُ العاطفة، هي حين يتحوّل “أحبك” من كلمةٍ تقال إلى فعلٍ يُبذَل، إلى مواقف تُروى، إلى تضحيات تُقدَّم بصمتٍ فخم.
في قصص العِشْرة، لا يُقال “أحبك” كثيراً، لأنّ كل لحظةٍ من التضحية والاهتمام تُغني عن آلاف الكلمات. حين يُمسك أحدُهم بيدِ شريكه قبل السقوط، حين يُقاسمه التعب دون منّ، حين يتنازل عن راحته ليمنحها له، حين يُنصت لصمته ويفهمه، حين يُصبح ظهرًا يُحمل عليه الألم، هناك فقط، يسكن الحب الحقيقي.
العِشْرة: العلاقة التي تَتجاوز الشغف إلى السكينة
ما من علاقةٍ تبقى على عنفوان الشغف إلى الأبد، فمن خصائص الشغف أنه يُولد ثم ينطفئ إن لم يُستبدَل بما هو أعمق. في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21].
إشارة عميقة: إن السكن، لا اللهفة، هو المقصد الأول. والمودّة: هي العطاء بالفعل لا بالقول. والرحمة: هي ما يبقى عندما يتعب الجسد وتبهت الكلمات.
فالعِشْرة هي هذا النسيج المقدّس من السكن والمودّة والرحمة. لا تحتاج لقصائد غزلٍ يومي، بل إلى قهوةٍ تُصنع بصمت، إلى لحافٍ يُسحب ليلًا على جسدٍ نائم، إلى دعاءٍ يُرفع في غياب الآخر.
دور العِشْرة في بناء العلاقة الاجتماعية والروحية والنفسية
• اجتماعيًا: العشرة تصنع الحاضنة المستقرة للأُسر. الأزواج الذين عاشوا العشرة بمعناها، ربّوا أبناءهم على الاتزان العاطفي، فكانوا هم النموذج، وكان البيت موئلًا للحبّ لا مسرحًا للصراع.
• نفسيًّا: العشرة تُقلّل من القلق، تُذيب الإحساس بالوحدة. حين تشعر أنّ هناك شخصًا يفهمك دون أن تتحدث، يسندك دون أن تطلب، تحيا في راحةٍ نفسية لا تقدّر بثمن.
• روحيًا: العشرة تُنبتُ الطمأنينة. فالحبّ الذي يسكن الفعل يصبح عبادة. كل قطرة صبر، كل لحظة تضحية، تُكتب عند الله في ميزان المحبّة. كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”. العشرة الطيبة طريق إلى الخير، إلى الله.
حين يُصبح الحبّ “أسلوب حياة”
ليست العِشْرة بقاءً فقط، بل بقاءٌ ذو معنى. الفرق بين من يعيشون معًا لأن لا بديل، ومن يعيشون لأنهم اختاروا في كل يوم أن يحبوا بالفعل، أن يجددوا العهد دون ضجيج، أن يبنوا كل يوم لبنة في جدار الأمان.
كم من أزواج أحبّوا بعضهم في أول الطريق، لكنهم لم يعرفوا كيف يصمدون عند أول اختبار؟ لأن الحبّ لم يتحوّل إلى عشرة، لأن “أحبك” بقيت حروفًا، لا فعلًا يُقدَّم في صمت!
فلنُعانق العِشْرة
نعم، نحب أن نسمع “أحبك”، لكن أجمل منها أن نلمسها. أن نراها في المواقف، في الأوقات الصعبة، في لحظات المرض، في السكوت، في العناق الصامت، في نظرةٍ تطمئنك حين تضيع.
العشرة ليست ضد الرومانسية، بل هي أعظم صورها.
فكل حبٍّ لا يبلغ مرتبة العِشْرة، هو شجرةٌ بلا جذور. وكل عشرةٍ بلا حب، خشبٌ بلا ظل. فاجعلوا حبّكم يُثمر عشرة، واجعلوا عشرتكم تُزهر حُبًّا.
ولا تنسَ: “أمسكي يدي لكي لا تسقطين” تلك هي أحبك التي لا تموت.



