أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العِلم وأمه ومراتبه

سلمان العنكي · القطيف اليومالخميس 17 أبريل 2025، 11:33 م
العِلم وأمه ومراتبه

أروي للقراء الكرام قصة سمعتها من والدي رحمه الله، جاء فيها:

[أحد المؤمنين شدّ رحاله متوجّهًا إلى حوزة علمية بعيدة عن موطن سكناه. مسافاتٌ طوى الفيافي والمَهامة أيامًا، حتى استقرّ فيها للدراسة.
في ماضي الأزمان، كان المسافر ينقطع عن الأهل والأحباب؛ لا اتصال، لا رسالة، لا راديو، لا تلفاز، لا ناقل أخبار.

مكث مَن نعنيه في غربته عشرين سنة متواصلة أو أكثر. بعدها عزم على الرجوع إلى بلده، ومرّ في طريقه على صديق له استضافه وسأله عن أحواله، غيابه، أين كان؟ ماذا فعل في دنياه بعد طول غياب؟
ردّ عليه: كنتُ في طلب العلم.
قال له: نِعْمَ ما فعلتَ، جهادٌ تُثاب عليه، ولكن… هل ختمتَ “أمّ العلم”؟ فبدونها لا قيمة لما حصلتَ وتعلمتَ.

استغرب الضيف قائلاً: وهل له أُم؟
قال: نعم.
قال: لم أسمع بها من قبل، من هي؟
قال: إنها “الحِلْم”، لزامًا أن تتعلمه ليكتمل ما تعنيتَ من أجله وضحيتَ في سبيله.

توجّه إلى حيث كان، لسنتين، ثم عاد.
وصل بيته ليلًا، ودخله على حين غفلة، فإذا بشاب في نوم عميق بالقرب من زوجته!
ساء الظن، واستشاط غضبًا، وهمَّ بقتله، وأوشك أن يرتكب جريمة بشعة بسفك دم نفس محترمة.

“في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة”.

تدارك الموقف، وتذكّر “أمّ العلم”، فتعامل بحِلْم، وأعرض عنه لينظر ما الأمر وتُعرف الحقيقة بالفعل.
عندها اتضح أنه ابنه، حملت به أمه ليلة خروجه.]

نقول:

أولًا:
الله أعلم بصحة ما تقدم نقله، لكنه درس نأخذ منه أهمية التأني دون الاستعجال، خصوصًا عند الشدائد وفي الظروف الصعبة.

ثانيًا:
إننا بحاجة لعلماء حُلماء متواضعين، ما لم يتحلَّ أحدهم بالحلم، فعِلمه هباء؛ لأنه يُنفِّر، ويُكرِّه لقاءه، بخلاف الخلوق الحليم، الذي يُشتاق إلى مجالسته، ومحادثته، وسؤاله، فيُستفاد منه، ويُتّخذ قدوة، ويُعلّم بسلوكه أكثر من دروسه.

أمّا سريع الغضب، الانتقائي، فيُبتعد عنه، والسلام عليه مجاملة، والكلام معه على خوف، ويُحذَر من تصرفات سيئة غير محسوبة قد تصدر منه.
أيُقبَل، مثلًا، أن يحمل بيده شهادة عليا، وبالأخرى مطرَدة ذباب يكشّ بها مَن لا يُعجبه من الناس؟!
ما فائدة ما بيمينه إذًا؟

أين هذا من قول الله تعالى:

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}
– آل عمران 159

وما رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام:

“كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا، قولوا للناس حُسنًا، احفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبيح القول”.

وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت **فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه **فقوّم النفس بالأخلاق تستقم

وبخصوص المستوى العلمي:

نحن – العوام – يجب أن نعطي المسميات الحوزوية لمستحقيها، لا زيادة ولا نقصان، فلا نظلم ولا نُدلّس في العقيدة وفتاوى العبادات.
لا نختار بالهوى، ولا بالصداقة، ولا بالقربى.
(سماحة – علّامة – فقيه – آية الله – مرجع)
كلها ألقاب لها تبعات، لذا نرجع فيها لأصحاب الاختصاص الموثوقين، المشهود لهم بالنزاهة، وهم يُقيّمون كلًّا بمرتبته، ثم نأخذ عنهم ما يُقررون ونخاطبهم بها.

أمّا المظهر الجذاب، كِبر العمامة، بياض اللحية، اللسان الطلق، حديث المجالس…
كلها أوهام لا تقوم بها حجة، ولا يُبنى عليها، ولا تؤهل لحمل الألقاب.
حساباتها خاطئة، وينتج عنها أضرار في الفهم، والتكليف، والأحكام الشرعية، والتقليد.

لنكن عقلاء، نضع الأشياء في مواضعها.

للأسف، أصبحنا نُطلقها كما نشاء، نمنحها من نُحب، ونصرفها عمن نكره.
ولو تحققنا وتتبعنا، لظهر لنا أن المغطّى مكشوف:
رأس عالِم، ولباس دين يرتديه جاهل، صامت صادق، ومتكلّم كاذب، مبتدئ يرى نفسه على أستاذ يُلقي البحث الخارج.