(2) «الشروط لا تصنع الود لكنها تحمي الحقوق»

لم أتردد في الحديث بمثل هذه المواضيع الحساسة لأثرها البالغ على حياتنا وعلاقاتنا، وهي تمثّل أخطر المواضيع الاجتماعية لما فيها من نتائج قد يكون بعضها كارثيًا كما يتصوّر الجيل الماضي، والذي يعتبر مجرد لفظة “طلاق” لفظة عظيمة حزينة مؤلمة، وقد كانت أشد وقعًا نفسيًا من لفظة “موت”، وذلك لما يمثله ذلك الإجراء من آثار اجتماعية خطيرة.
لم تعد هذه اللفظة ذات أثر خطير وحساس كما كان، ولعلنا ألفتنا لما يحدث اليوم من وجودها كظاهرة اجتماعية، فقد أصبح عدم سماعها هو خلاف المألوف.
ومن يمكنه تصديق خلافات تنتج فراقًا أبديًا وعداوة سرمدية لأمور تبدو لنا تافهة وبسيطة يمكن حلها؟ ولا شك أنها ليست كذلك بنفوس تلكم الأطراف. ولكن، هل انعدمت سبل اللقاء وإعادة المياه إلى مسارها الصحيح؟
لا يمكننا إلزام الآخرين بقناعتنا، ولا فرض تصوّراتنا الماضوية واعتبارها هي الحلول المثلى، فلكل جيل قناعاته ومسلماته وتصوراته لكيفية العيش المناسب.
قالت: “أريد أن أتفرغ لحياتي، وأشعر بحريتي، وأخرج كما تخرج بنات حواء، ويكفي خمسون عامًا وأنا أَكدح في هذا البيت وخدمة هؤلاء الأولاد، وأنت الذي حصرت كل حريتي وقيّدتني حتى الثمالة، والآن أريد أن أتحرر من قيدك، فاذهب إلى سبيلك”.
نقطة الخلاف بينكما هي أن تصبحي حرة في بقية حياتك، تخرجين وتعودين كما تريدين دون قيد. ولنفترض أعطاك إياها، فهل ستتراجعين عن طلب الفراق، ونسيان عِشرة عمر عشتماه سويًا على الحلوة والمرة، وبقيتما تكدحان لأجل أن ينشأ أولادكما بينكما في سعادة وطمأنينة؟ واليوم أنتما أحوج إلى بعضكما البعض مما سبق، فالأجساد التي تعانقت لا يمكنها أن تفترق لمجرد أوهام حرية وخروج في أي وقت، وسهر الليالي خارج البيت، وسفر مفتوح.
ولتعلما أن سنّكما قد يسقطه مجرد عثرة، لا تعودان بعدها إلى سابق صحتكما، ولن تجدا بين انشغال أبنائكما من يكون حولكما ليرعاكما إلا كل منكما للآخر. وسيَزوركما الأبناء يوميًا في أول سقوط صحتكما، ثم أسبوعيًا، ثم شهريًا، لأن بعضهم يرعى رزقه ورزق أبنائه، ولا يمكنهم القيام برعايتكما دائمًا، لتجدا -في أفضل الأحوال- خادمة ترعاكما، وتأمركما، وتصرخ في وجهيكما حينما يتكرر طلبكما أو عنادكما.
ليس هناك من طريق للسعادة إلا تحمّل كل منكما للآخر كما كنتما، وإن برزت سمات (صعبة) جديدة لم تألفاها سابقًا، وهو أمر طبيعي لتغير المزاج بتغير السن والحياة. فليتموضع كل منكما في موضع تقبّل الجديد، وتحمل كل منكما للآخر، وبحدود معقولة وممكنة، وتفهّم كل منكما للآخر في مرحلة جديدة، يتوجب فيها سكنكما معًا.
وما أجمل أن يأتي أحفادكما فتحضناهم جميعًا.
خرجتُ عن العنوان لما استثارني خبر طلب الفراق بعد خمسين عامًا من الحياة الزوجية.
يتبع، وأعود إن شاء الله لنحكي قصص السعادة والحدود الشرعية.



