أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بوح السطور في قرب أربعينية أمي

فاطمة شلي · القطيف اليومالأربعاء 30 أبريل 2025، 6:11 م
بوح السطور في قرب أربعينية أمي

ربما نتيه عبر ممرات الزمن دون أن نشعر، لدرجة تأخذنا سكرة الذكريات بحلاوتها ومرارتها، فنعيش كل تفاصيلها، لكي نعزف لكل فصل منها لحنهُ الخاص، فيهج الخاطر ويطرب الفؤاد بصوت أمي وهي تناديني: فاطمة، اعملي كذا ولا تنسي كذا.

وهل أنسى؟ وكيف لي أن أنسى، وقد اقترب يوم الأربعين من رحيلكِ عنا، وأنا لازلت يا أمي أتمنى من الله العلي القدير جبر كسر القلب، الذي ما يبرح إلا ويأتي بألم جديد لا ينتهي.

ففي هذا الأسبوع، وفي نفس الليلة التي أصبتِ فيها، وقعت خالتي آمنة (أم علي) مريضة، فقد أصابها مثلكِ، وهي الآن ترقد في مستشفى القطيف المركزي، والمؤلم أنها في نفس غرفة العناية التي كنتِ فيها.

فهل سواد الليل أصبح مقلقًا لنا؟ أليس هو راحة الجسم والعقل من تعب النهار؟ لكن الأقدار تجري على بني آدم يا أمي، فآه ثم آه من الألم الروحي.

فيا أمي، ويا أماه، ما أحلاها من كلمة عند مناداتي لكِ، وحين النطق بها. لهذا كنتُ في بعض الأوقات أحب أن أناديكِ: “ماما” للدلال، وأنتِ تردين عليّ.

لكن… من أنادي الآن؟ آه يا يمّه، كلما أردتُ النوم، تشتعل الذكريات عن الماضي البعيد، حيث أيام الطفولة، فأنظر لكِ وأنتِ تجلسين مع نساء الفريق في البيت، وكل واحدة تأتي بشغلها: من تنقي الرز، ومن تخيط أي نوع من أنواع الخياطة.

وأذكر الجارة أم نريمان (رمضانه)، التي كانت ساكنة في بيتنا في الشقة الأخرى، فتأتي بعدة خياطتها كي تفصل معكِ ملابس “الهاشمي” (لباس تلبسه كبار السن من النساء فوق لباسهم العادي للزينة). فهي تعلمت منكِ، وأنتِ تعلمتِ منها، فكنتما تخيطان معًا في البيت.

ولهذا كان بيتنا يأوي الجميع، القريب والبعيد من النساء، ولم تردي أحدًا جاء لكِ في طلب، سواء ريّ الماء، خصوصًا عندما ينقطع عن أهل الديرة، ولا من تأتي كي تخيط لها ثيابًا قد تمزق بعض منها، بدون مقابل.

ولا فقيرة أتت لكِ، إذا كنتِ تعرفينها، تجعلينها تدخل البيت كي تجلسي لضيافتها، أما إذا كانت غريبة، تعطيها ولو شيئًا بسيطًا.

وكنتِ دائمًا تقولي لنا: “سدّوا الفقير ولا تردوه”.

وكنتِ تحبين زيارات الأهل والأصدقاء، وأذكر عندما كنا نذهب لفريق الأطرش، كنتِ تطلعين معنا من بيت جدتي ليلى، وتدورين على بيوت الخالات والخال وبيوت خيلانكِ، بيت إلَي زرع وبيت عمهم، وهكذا كنتِ.

حتى كنا نذهب إلى سنابس أو الربيعية وتلفي معنا على جميع أقاربكِ، فكنتِ حلقة وصل بالنسبة لهم ولخالاتي. وهكذا ظلت عادتكِ، رغم أن أغلبهم رحلوا عن الحياة.

حتى في العام الماضي، في نفس هذا الوقت، كانت وفاة المرحوم الملا أحمد وحيد.

عندما ذهبت معكِ للتخليف، ولم تري أخته أم حسين الرويعي، أصررتِ أن نذهب لبيتها كي نخلف، وقلتي: “ولو على الباب نخلف عليها”.

وبما أن جارتها “بت عمتي” أم عبدالكريم محمد حسين، قلتِ: “بعد نطل عليها”.

أقول لكِ: “أماه، لم يبقَ وقت، قرب الأذان”، فتقولين: “لازم نمر عليها بس نسلم ونطلع”.

فعلاً، كنتِ تحبين زياراتهم وحضور أغلب مناسباتهم.

لكن الآن… أتخيل صوتكِ وصورتكِ، حتى كأني أراكِ واقفة قرب باب غرفتي، تسألينني: “هل نمتي؟ وقريتي عني السور والأدعية؟”

فأردّ عليكِ: “أماه، نعسانة، فأنا لا أحب السهر”. فكنتِ تسلمين أمركِ لله وتذهبين للنوم.

لكن أوقات لا تخرجين، فأقول لكِ: “أماه، ماذا تحبين أن أعمل لكِ من شراب ساخن؟ كرك، أو كافي، أو أعشاب؟”
كنتِ تردين عليّ: “أي نوع، سوي لنا، نسخن جسمنا”. وحتى تقرئين لنا القرآن والأدعية.

فيا ذكريات العمر، هل مررتِ على قبري والديّ، وسكبتِ دمع العين؟ أم جففتِ، لكي تبقى غصة في الحلق، عالقة حتى وقت الرحيل لهم؟
فرحمكِ الله يا أمي، أنتِ وأبي، وجميع موتى المسلمين والمسلمات.