من الصفر

"من الصفر" تعبير يُطلق على من يبدأ بإمكانات ذاتية دون أن تكون له مادة وذخيرة مالية يعتمد عليها ليقوم بها بمشروعه.
ولكن هناك بدايات ليس لها علاقة بالأموال لتبدأ من الصفر، فهناك من لا يملك في رصيد أعمال الخير شيئًا فحين يتوب فهو يبدأ رحلته كما ولدته أمه من الصفر لكنه يبقى صفرًا براقًا مسته الرحمة الإلهية بالعفو عما سبق والإذن بالاستئناف من جديد بروح جديدة بشرط عدم العودة للوراء.
وهناك بدايات تكون من الصفر كالعلاقات التي دخلتها وساوس الشيطان فكان رصيد المشكلات فيها عاليًا إلى أن جاءت لحظة العفو والتسامح ولكن مع الأسف ربما لا تأتي إلا حين يصل أحد طرفيها لحافة الموت أو المرض لنبدأ معه بصفر جديد أو صفحة بيضاء، ولا نستغرب إن وجدنا هناك من لا يهزه مرض ولا موت ويصر على خطأه ليغادر دون أن يحظى بأحد يصفّر رصيده من ديون معنوية تسبب في حملها معه لبرزخه ليعود ليحاكم عليها في ساحة القيامة.
وهناك من يكون صفره متأخرًا بالعلم فهو ركن تسليم عقله لعلوم دينه بحجة ليس هناك وقت وكثرة الالتزامات التي عليه، ولكن لو جلس ساعة فقط لاستعراض وقت يومه لوجد مساحات يستطيع استبدال بها قراءة أو استماع لعلم يُنجيه، ومع هذا فالصفر المتأخر بالعلم لا بأس به لأنه حين يجد الكم الهائل من الروايات التي تمغنط طالب العلم لطلب العلم وفضله وبركاته فإنه لم يلبث قليلًا إلا ويجد رصيده مرتفعًا بصورة سيُذهل منها جدًا.
هناك العديد من الأصفار ليست منقصة على أصحابها أن يبدأ منها الإنسان فيكفي أن يفكر الفرد أنه صفر بالمال والأصحاب والعلم والأخلاق والصحة فصفره يكون محفزًا لتغييره لرقم يفخر به، لتكون فرصة انتقال لعالم آخر مليئ بالأرقام المبهجة.
وأنا اليوم بالكتابة أكتب لكم من الصفر أيضًا، بالطبع كانت لي كتابات سابقة وكان بها شيء من روحي وكنت أحب الاحتفاظ بكتاباتي بصفحة الإنستقرام الخاصة بي، ولكنها منذ أكثر من سنتين بلحظة مؤلمة وجدت صفحتي وصلت للصفر و"تصفرت" كل كتاباتي مع ذكرياتي فيها، وأنا أعترف أن الأمر لم يكن سهل التخطي على روحي حتى لو كانت لي محاولات متواضعة للعودة لكنها لم تلبث أن انهارت سريعًا، وإضافة إلى صفحة الإنستقرام كان حظ الواتساب وافرًا بالوصول للصفر والتصفير ومسح كل ما أكتب، ومن آثاره قلة كتابتي من تلك الحادثة.
لكن اليوم أعاهد قلمي بالعودة وعدم خذلانه من جديد فرفقته بلسم لا يُباع، وسأبدأ بصفر نهايته أربعينية إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ولأن كلماته الخالدة التي تقول:
أتحسب أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
فهي كفيلة بصعود إدراج العلو لعليائه، فبناء أي عادة يبدأ بأربعين يومًا متواصلًا وأنا بالتأكيد أستطيع بحول الله وقوته ومدد سادات الورى، فليس مُخجلًا أن تقول إنك صفر مجرد لإني واثقة أن كل صفر يلج بحر جودهم يغدو رقمًا صعبًا ليس للجميع الوصول إليه.. أليس كذلك؟



