رحيل شاهدة عصرين في جارودية القطيف.. 107 أعوام.. عاصرت فيها زينب المعلم توحيد المملكة وجميع ملوكها

ودّعت بلدة الجارودية بمحافظة القطيف إحدى أقدم معمراتها الحاجّة زينب بنت جواد بن مهدي المعلم، بعد أن امتد بها العمر لأكثر من 107 أعوام، لتُغلق صفحة قرنٍ حافلٍ بالأحداث والمتغيرات، كانت فيه شاهدةً على أبرز التحولات في تاريخ المملكة والمنطقة والعالم.
وُلدت الفقيدة بحسب السجلات الرسمية عام 1339هـ، وعاشت طفولتها في ظل الدولة السعودية الثالثة، قبل أن تعاصر حدثًا مفصليًا في التاريخ الوطني، وهو توحيد البلاد وتسميتها «المملكة العربية السعودية» على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، وذلك يوم الخميس 21 من جمادى الأولى عام 1351هـ.
ومنذ ذلك اليوم، توالت الأعوام وتتابعت التحولات، فكانت الراحلة شاهدةً على جميع ملوك المملكة العربية السعودية، من المؤسس عبدالعزيز إلى العهد الزاهر للملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، مرورًا بمراحل التنمية والنهضة الكبرى التي غيّرت ملامح البلاد.
وعاصرت في مسيرة حياتها الطويلة أحداثًا جسامًا مرّت على العالم، من الحروب والأزمات، إلى فصول التقدم والتطور في شتى المجالات.
وظلّت حتى آخر سنواتها تتمتع بذاكرة حاضرة تروي تفاصيل الماضي، وكانت تحتفظ بذاكرة قوية حتى سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من تقدمها في السن.
وغادرت الفقيدة الحياة بهدوء في منزلها وبين أهلها ومحبيها، بعد أن جسّدت مثالًا للبساطة والإيمان العميق، وارتبط اسمها في محيطها العائلي والاجتماعي بالحكمة والحنان، ودماثة الخُلق، وصفاء القلب، وطيب الحديث.
وتُعد الحاجّة زينب المعلم من كبار المعمرين في محافظة القطيف، وتمثل برحيلها نهاية جيلٍ من النساء اللاتي حملن إرث الحكمة والصبر، وكان لهن دورهن البارز في تربية الأجيال والحفاظ على القيم والعادات المجتمعية الأصيلة.
وفي سيرتها ما يدعو للتأمل؛ فقد كانت من أولئك الذين واكبوا عصرين متناقضين تمامًا، فقد بدأت حياتها في عصر ما قبل الحداثة، في زمنٍ خالٍ من الهاتف والكهرباء وأجهزة الاتصال، حيث سكنت منازل شُيّدت من أحجار البحر والطين، واعتمدت الحياة على المصابيح الزيتية، ومياه العيون، والأسواق الشعبية، والتنقل عبر الدواب، وكانت تفاصيل الحياة اليومية بسيطة لكنها شاقة، مليئة بالصبر والتعاون.
ثم لحقت بزمن الثورة الصناعية والتقنية، فشهدت دخول الكهرباء، والمياه للمنازل، وأجهزة التكييف، والهواتف، والإنترنت، والسيارات، والطرق السريعة، والمستشفيات الحديثة، والمباني الشاهقة الحديثة، لتكون شاهدة حيّة على أعظم تحوّل عرفه العصر الحديث في نمط العيش والبنية التحتية.
«القطيف اليوم» التي آلمها نبأ رحيل الحاجة المعلم، تسأل الله أن يتغمّدها بواسع رحمته، ويحشرها مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.



