أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أقسم بالله!

فاطمة البدن · القطيف اليومالأحد 25 مايو 2025، 10:46 ص
أقسم بالله!

بالسابق كان يُلجأ للحلف بالله في مواضع الاحتياج الشديدة لإثبات شيء وتأكيده، أو لإبعاد تهمة موجهة للشخص نفسه أو لغيره.

حتى كنا نتوخى الحذر في أن الذي يحلف كذبًا فعليه صيام ثلاثة أيام والآن لا نرى من يقول "عليّ ثلاثة أيام صيام لأني حلفت" رغم أنها بين قوسين معلومة تحتاج تصحيحًا فالقرآن يقول {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة:89].

هناك شرط بالترتيب والاختيار يفصله (فمن لم يجد) نحن تخطينا خيار الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة وذهبنا لأبسط خيار وهو صيام ثلاثة أيام لا أعلم إن كنا نطبق أن نصومها متتالية أيضًا أم لا.

فعن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات لا يفصل بينهن، وقال: كل صيام يفرق إلا صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين، فإن الله يقول: (فصيام ثلاثة أيام)، أي: متتابعات.

وربما يحكم البعض أنه سقط عنه خيار الإطعام وفيه يوضح المقدار كذلك الإمام أبو عبدالله (عليه السلام) في كفارة اليمين بقوله: من كان له ما يطعم فليس له أن يصوم، ويطعم عشرة مساكين مدًا مدًا، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

ويفصّل أكثر الإمام الكاظم (ع) حين سُئل عن ما حدّ من لم يجد؟ وإن الرجل ليسأل في كفه وهو يجد؟ فقال: إذا لم يكن عنده فضل عن قوت عياله فهو ممن لا يجد.

لكن ما يهمني الحديث عنه ليس الكفارة إنما هو الحلف لا بل الأعظم القسم بالله العظيم حيث بات أبسط كلمة تقال وتتكرر بين كل جملة وأخرى لدى البعض، حتى التهديد والوعيد بات لا ينطق إلا بقسم.

وأكثر من ذلك أنه بات سلعة يستخدمها المعلنون ويساعدهم في تصديق إعلاناتهم!

في أحد المرات كنت أشاهد مقطعًا لأحد الأشخاص لا أعلم حقيقة هل هو معلن مشهور أو ما هي صفته، لكنه كان يمدح أحد العطور ولا أبالغ أنه لم يكف عن القسم بالله لإثبات أن رائحة العطر جميلة، كتابة ولفظًا لدرجة متكلفة وزائدة عن الحد!

وكلنا يعلم أن بالعطور هناك أذواق بالناس فالذي يُعجب بروائح العطر الثقيل مثلًا لا تعجبه الروائح الناعمة، والعكس صحيح، فلا أعلم بمشاعره لو كان هناك من أخذ العطر لكلامه وقسمه، ثم لم يعجبه رائحته!.

لكن السؤال يبقى هل يستدعي هذا الأمر هذا الكم من القسم بالله العظيم؟

حتى إنه جعلني ألاحظ المعلنين وأتحسس كم مرة يلجؤون للحلف والقسم في إعلاناتهم؟

حتى لو سلمنا أن وظيفتهم إقناع الآخرين ببعض السلع لكن هل غابت كل الطرق بالإقناع ليتم استهلاك الحلف والقسم بالله في موضع لا يليق بقداسة اسمه وجلاله، وأحسب من يستخدم هذا الأسلوب هو صفر في الإقناع.

فليست نهاية العالم إن لم يصدقني أحد بإعلان أو كلام عابر أقوله فقط المهم أن أحافظ على اسم الله وقداسته ولا أستخدمه إلا بحالة اضطرار كحياة أو موت.

منذ زمن وفي إحدى المناسبات لا أعلم ما هي بالضبط لكن ألتقيت فيها إحدى مسؤولات الحوزة المرحومة رقية العبيدان وفي حديث عابر قالت لي بأن أمها من العوامية بلدتي فرأسًا قلت لها ممازحة "حلفي" فقالت لي "ما يحلفوا"، وأظنها رحمة الله عليها كانت قد لقنتني درسًا من ذلك اليوم أنه لا نحلف لأي شيء بين قوسين "تافه" ولا يحتاج.

لكن منذ بضعة أيام اضطررت للحلف لتبرئة نفسي من أحد الاتهامات وندمت على حلفي وودت لو لم أحلف، لأنه ليس الجميع يستحق أن نحلف لأجلهم ليغيروا صورة رسموها لنا لنثبت عكسها، طالما نحن نعلم من نحن وأننا صادقون فيما نقول فلسنا نحتاج للحلف عند كل من "هب ودب".

وهذا ما يترتب على كثرة الحلف والكذب فيه حتى بات الصادق الذي يلجأ للحلف ليُبرئ نفسه لا يتم احترام اسم الله الذي حلف به لتصديقه.

واقعنا بات فيه الحلف والقسم لدى فئة كبيرة كشربة الماء ومن باب خبرة أقولها: من تراه يحلف كثيرًا فاعلم أنه يكذب كثيرًا فيلجأ للحلف تلقائيًا ليتم تصديقه، ولا نعلم إن كان يهتم لكفارة يمينه الكاذبة.

الكذب بكل الأحوال هو أمر منبوذ ومنهي عنه، فكيف إذا كان مربوطًا ومؤكدًا بحلف أو قسم، الإمام الباقر (عليه السلام) يقول: إن الله عز وجل جعل للشر أقفالًا، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب.

والإمام العسكري (عليه السلام) يقول: خطت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب.

ومهما لوناه وجعلناه فكاهيًا لكنه يبقى بوصمة عار كذب، كمن يعمل نفسه صاحب النكته والجو في صحبته فيعمل مقلبًا في أحد أصدقائه قد يكون مؤذيًا له وبلهجتنا أتته "خلعة" قلبية لأنه صدقه في أحد الأمور التي تمس قلبه، وفيه يقول رسول الله (ص): «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك به مصدِّق، وأنت له به كاذب». وعن الإمام علي عليه السلام قال: «لا يجد العبد طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هزله وجدّه». وقال أيضًا (ع) : أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب.

فقط فلنراقب أنفسنا كل يوم كم مرة نحلف بالله ونقسم بعظمته كذبًا وإذا كان صدقًا هل كان يحتاج الأمر حقًا؟