الجار الذي يراك أكثر من مرآتك!

ببعض الأحياء، وبين جدران البيوت المتلاصقة، لا يزال الجار جارًا… لكن ليس دائمًا كما نودّ أن يكون. في مجتمعاتنا، حيث تختلط الأصالة بالمعاصرة، برز نمط جديد من الجيران، لا يحمل المفتاح ليطرق بابك، بل يحمل عينًا تراقبك بلا استئذان، ولسانًا يتساءل: “ماذا أحضرت اليوم؟ من زارك البارحة؟ لماذا لم تخبرني؟”… وكأن البيت بيتهم والخصوصية مزحة اجتماعية!
نتحدث هنا لا عن تلك الجيرة الطيبة التي إذا غبت سألت، وإذا حضرت بشّت، بل عن “جيرة المراقبة”، مرض اجتماعي يتسلّل بأدبٍ زائف، وتلطفٍ مشبوه. ترى صاحبها دائمًا عند النافذة، أو خلف ظلّ ستارة، يسجّل في دفتر مخيلته: من دخل؟ من خرج؟ من ضحك؟ من بكى؟ لا بحكم المودة، بل بدافع الفضول المَرَضي، وعبثٍ لا يُقرّه عقل ولا شرع.
فكيف لهذا “الجار العيون” أن يتوهم أن أفعاله حسن نية؟! أهو حسن نية أن تلتفت لتفاصيل المشتريات التي أحملها؟ أن تراقب وجوه الضيوف من خلال شق بابك؟ أهو برٌّ بالجار أن تطيل النظر في محارمه بزعم المصادفة، وقد تكررت المصادفات حتى فقدت براءتها؟!
يؤسفني أن أقول:؟إن في بعض أحيائنا جيرانًا من هذا الطراز، لا يعرفون للحدود حرمة، ولا للستر قيمة، يحسبون كل سؤالٍ مزحة، وكل اقتحام للخصوصية حقًّا مكتسبًا. والمؤلم أكثر أنهم حين يُنبّهون، يقولون: “نحن إخوة!” نعم، نحن إخوة، لكن الإسلام علّمنا أن الأخوة لا تبرر التجاوز.
ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: 27]. فكيف بمن لا يدخل البيت، بل يقتحم خصوصيته من وراء الجدران بالنظر والكلام؟!
وهنا لا بد أن نقف، لا لنتباكى على ما وصلنا إليه، بل لنتأمل الوجه الآخر، الجار الذي إذا استودعته سرًا كان خزانة، وإذا غبت كان لك ظلًّا، وإذا حضرت فتح لك قلبه قبل بابه. ذاك الذي يوصي بك أولاده، ويدعو لك بظهر الغيب. ذلك الذي جعله الإسلام شريكًا في المعروف، بل أرفقه رسول الله "ص" بالوصايا، فقال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”.
تأمل عظمة التوجيه النبوي: أن تُحسن إليه لا أن تُحصي أنفاسه، أن تفرح لفرحه لا أن تحصي عدد زواره، أن تحفظ حرمة بيته لا أن تخترقها بتعليقاتك.
ليست الجيرة سباقًا إلى المعلومة، بل إلى المروءة. وليست الجدران حواجز بيننا، بل جسور احترام. وكم من جارٍ صالح كان سُورًا يحميك، وكم من جارٍ مريضٍ صار ثُقبًا يسرّب عنك أسرارك!
دعونا نعيد تعريف الجيرة في مجتمعاتنا. الجار ليس “مراقب جودة”، ولا “مفتش علاقات”، ولا “ضابط مشتريات”. الجار الصالح هو من لا تراه إلا في مواقف الخير، ولا تسمعه إلا في طيب القول، ولا يشعر بك إلا كما يشعر الإنسان بنفسه.
وفي نهاية المقام، أقولها صادقًا: لسنا في معركة ضد الجيران، بل ضد سلوك مشوّه يلبس لباس الفضيلة وهو أبعد ما يكون عنها. فلنكن كما يحبّنا الله، وكما أوصانا نبيه "ص"، جيرانًا نعيش بجوار بعضنا حبًا لا رصْدًا، وسِترًا لا كشفًا.
ويا من ابتُليت بجارٍ يطيل التحديق، ويُكثر التعليق، امنحه من فكاهتك، لا من غضبك. قل له مثلًا: “يا جاري، أنا لو كنت مسلسلًا، كان أرحم، على الأقل أعرف الحلقة الجاية!”.
واجعل من الموقف ابتسامة، ومن الصبر جائزة، فلعلّ الكلمة الرقيقة تُلين قلبًا قاسيًا.
ويا كل جارٍ جميل، لك منّا سلامٌ بحجم طيبتك، ودعاءٌ بظهر الغيب كبرّك.
ولتبقَ الجيرة.. سترًا، وودًا، وعونًا.



