وهج كعلاقة ظل

أحيانًا تكون الزوايا رفيقًا، تبوح لها، تستطقها؛ لتكون وحيدًا عن الآخرين، وتتفرد بذاتك.
هناك ثمَّة فجوة لا تستطيع توصيفها بالمسافات، مدعاة للصمت، أوليس الصمت، كرائحة الياسمين، تستمتع فيه حينًا من الوقت؟
يكفيكِ طفلًا واحدًا!
دائمًا كان يردد هذه الكلمات على مسامعها، والتي تنزل عليها كالصاعقة، حتى اعتادتها، فلم تعد تؤثر كما كانت في بداية سنيها معه.
العمر يمشي طولًا وعرضًا، وفي كل اتجاه يسير بها إلى حيث بياض شعرها، وبعض تجاعيد في ملامحها، إنها تشتاق أن تحتضن وليدًا، يغدق على حياتها الأنس؛ لتشعر بالحياة، كشاطىء يأنس بالأطفال، وهم يمرحون فوق رماله.
وصلت إلى قناعة تامة بأنه لن يتغير، فالذي لا يجلس ولو بعض الوقت في محاسبة نفسه، لن تسعفك معه آلاف الأدلة والبراهين، ومثلها من العاطفة؛ ليقتنع.
في الحياة الزوجية الأنانية آثارها السلبية سريعة النتيجة، ومنطقيا فإن التزمت في القرار، وتنفيذه بقسوة، وكأن الطرف الآخر ليس له وجود، وهذه الطامعة الكبرى التي تجعل الحياة الزوجية بلا طعم آو لون، فلا تبعث على الاطمئنان والأنس٫ والتكامل الروحي والنفسي.
أصرت على الطلاق، لم تدع إلى الذين قصدوا الصلح بينهما سبيلًا، رجعت إلى حجرتها في منزلهم الكبير، داهمتها الذكريات، وكيف لفراشة المنزل التي كانت أن تتبلد، وتخبو نضارة الحياة في ملامحها.
تضارب الصراعات في داخلها، تارة البوصلة باتجاه ابنها الوحيد، وكيف له العيش في وضع انفصال والديه، حينها سيكون الضحية، وتارة البوصلة باتجاه ذاتها، هي المرأة التي تريد إن تشعر بأنوثتها، بعقلها وأفكارها، وشخصيتها المستقلة، وهي الزوجة التي لها حقوق، وفي مقدمتها الأمومة، أيضًا والتي لها النصيب الأوفر من عاطفة الزوج.
لا تكتمل رغباتكِ في الحياة، وهل تحقيق كل رغباتنا وأمنياتنا أمر وارد الحدوث؟!؛ لنعيش الحياة كما أجادت لنا.
الأمر لا يتوقف على ثقافة إن لم أحصل على ما أريد، سأترك كل شيء.
ما عشناه قبل الطلاق شيء، وما بعده سيكون شيئًا آخر، فلا تتوقعين، ماذا سيترتب على الطلاق، إن حدث؟
أعلم أن لكِ الحق بأن يكون لابنكِ الوحيد من يؤنسه، ويكون له السند، ويملئ عليه وحدته.
أعلم أن لكِ الحق بأن يكون لابنكِ الوحيد، من تكون له القلب الحنون، والذي يلجأ إليه كلما اشتاق إلى قلب أمه، ونبضاتها، حنانها الدافئ، وكلما أوجعته الحياة، يتكئ على ذراعيها.
اشتاقت هذا الصباح إلى الوقوف على شرفة حجرتها؛ تنظر إلى اخضرار العشب، وإلى ألوان الزهور، وإلى جدول الماء الذي يمرُّ، كلحظة صمت لإنسان يترقب بزوغ الأمل مع ولادة قرص الشمس.
وبينما تتنفس الصعداء، وإذا بعينيها تحدق مليًا، إنه هو.
رمقها بنظرة حنونة، بادلته ذات النظرة، وحدثت نفسها: وعندما تحمل النظرة الحنان كله، والاحتواء كله، والتسامح كله، فإنها كقطرات الماء التي تبعث الحياة في كل شيء.
ابتسمت بعفوية، وهي تتوجه إلى الباب؛ لتفتحه، وهمست: وقد تحلُّ مشكلة بنظرة.
جاء اللقاء خجولًا، تتسابق الأنفاس من خلاله، كاستشفاء من الماضي، كلاهما تقرأ في ملامحه الاعتذار٫سعيًا إلى تأثيث ما كان، صوته خفيفًا، كهمس الأمل، حين يتسرب من المعاناة: لقد فكرت مليًا بعمق، ووضعت نفسي مكانك، من حقك هذا الهجران، والذي سببه الإنجاب، أعاهدك أني سأكون عند حسن ظنك، سامحيني يا رفيقة دربي.
انفرجت ابتسامة بحجم الكون، ورمقته بعينيها فخورة به.



