بفلوسي!!

لا أحد يُنكر أن النقود تصنع الكثير من الأمور التي قد لا تكون متاحة بالوضع العادي، قد تختصر وقتًا بطلب مستعجل بزيادة نقود إضافية لعمله بشكل مستعجل، أو قد تدرس تخصصًا يستلزم نسبة عالية لكن مع النقود تتخصص فيه، وقد تنجز بناء بيتك بوقت قياسي كله لتوفر المواد المطلوبة والقوى العاملة وكله بالنقود.
ولكن هناك أمور لا تشتريها النقود أبدًا، فالصحة والاحترام والعلم والأدب والشرف والهيبة لا تشتريها النقود حتى لو كان البعض يضع هيبة لمن يملك رصيدًا كبيرًا بأمواله وهو لا يستحق السلام عليه من سوء أخلاقه وبخله، نعم إذا كان من أهل الكرم فهي تكسبه الجاه بين الناس.
ومع هذا نجد من يعتقد أنه لا يزال قابعًا بزمن العبيد وإنه يستطيع شراء الناس واستعبادهم بطريقة مهينة فقط لأنه دفع مقدارًا من النقود وتحسبه قد دفع كنوز الأرض!
قد ترى هذه النماذج في أماكن المحاسبة خاصة التي يكون بها عمال فتراه يتأمر على هذا وذاك بجلب أغراضه أو إيصال طلبه لعند سيارته وهو جالس بها هذا فضلًا عن صيغة الأمر التي تحمل شيئًا من تقليل الشأن وعدم تقديم الشكر إليه وكأنه خادم لديه.
وأكثر شيء مزعج من يبرر تصرفاته بأن هذا بنقوده، النقود تشتري منتجًا أو تشتري خدمة لكنك لا تشتري صاحبها وتستعبده.
ربما بالأسفار ترى أيضًا نموذجًا ممن يتشدق بدفعه للنقود ويكرر أنه دفع نقودًا لها، ولا أعلم أهو يعتقد أنه الوحيد الذي دفع بالحملة لتكون مراعاته ملكية ومحفوفة بالخدم؟!
أنا لا أقول إن بعض الحملات قد لا تقصّر فيما هو مفترض من واجباتها، ولكن بعيدًا عن هذا الأمر نحن بشر ونتعامل مع بعضنا على أساس تبادل المنافع والاحترام، وإذا تم فقدان الاحترام الإنساني سواء أكنت دافعًا أو مدفوعًا له فهو سيسبب خللًا في العلاقات التعاقدية.
نعود لنقف على من يكرر اعتزازه بنقوده وإنه بوسعه شراء الناس بها، لنهمس بأذنه أن الأموال قد يراها البعض نعمة ولكنها ستصبح نقمة إذا لم تُصرف في مواضع الصرف الصحيحة والكيفية المطلوبة. قال رسول الله -صلى الله عليه وآل-: قال الشيطان لعنه الله: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث أغدو عليه بهن وأروح: أخذه من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه فيمنعه من حقه.
ومن المفارقات أن البعض إذا لم يكن معظمًا من يملكون قدرة مالية هم الحريصون على أموالهم، فالأمور التي يأخذها الفقير ليوهم نفسه أنه "كاشخ" ليواري الطبقية بينه وبين أقرانه الأغنياء، ترى بالمقابل الأغنياء لايهمهم الصرف على بعض الأمور الظاهرية وقد يصلون لحد البخل و"المكاسرة" حتى في الأمور البسيطة الخاصة بهم، فكيف بمجال التبرعات!
ولا أعمم بالطبع، ولكن هناك من يملك خيرات من الأموال ولكنه يستخسر صرفها على فقير أو محتاج لأنه ليس بالضرورة سيعمل له إعلان بتبرعه وربما لن يلقى منه مقابلًا محسوسًا، بل سيبحث عن مكان تسلط عليه الأضواء أكثر عوضًا عن ذلك، وبالمقابل ترى الفقير هو أكثر مبادرة للتبرع وتحسس احتياج للناس، وبالطبع لا بد أن تكون للقرابة أولوية بالعطاء فهناك من يعطي البعيد ولا يتفقد القريب. يقول الإمام الرضا -عليه السلام-: لا يجتمع المال إلا بخصال خمس: ببخل شديد، وأمل طويل، وحرص غالب، وقطيعة الرحم، وإيثار الدنيا على الآخرة.
وقال الإمام علي -عليه السلا-: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، وأن يعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك".
وقال أيضًا -عليه السلام-: "كثرة المال تفسد القلوب وتنشئ الذنوب". وقال -عليه السلام-: أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الفجار.
وأختم بموقف ودرس علوي يعلمنا أياه أمير المؤمنين (ع) إذ مر الإمام علي ذات يوم في فترة خلافته فرأى شيخًا ضريرًا يستجدي فقال لهم ما هذا؟! قالوا إنه نصراني يا أمير المؤمنين قال ويحكم لم أقل من هذا بل قلت ما هذا؟ استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت مال المسلمين.
العطاء لا تمييز فيه، فالحاجة الإنسانية تنفي هذا التمييز فيغدو الجميع مستحقًا لها حتى لو اختلفت المذاهب لأن العدالة تتطلبها.
فهل نحن نحقق العدالة بإنفاق أموالنا التي لا يحق لنا وضع ياء الملكية لها؟



