حياة اليوم ذكرى الغد

"اليوم ذكرى الغد". إنها حكمةٌ تختزل جوهر وجودنا، فنحن في كل لحظة نصنع ماضيًا سيُستعاد، وذكرياتٍ ستُروى، وحاضرًا سيصبح غدًا نتأمله بعين الحنين أو التأمل.
تعال معي أيها العزيز، كما هي عادتنا لنسافر في عالم الذكريات، بين الأحداث العالمية الكبرى تارةً، واللمسات العائلية والاجتماعية طورًا آخر.
مَضَى العُمرُ كَالبَرقَةِ الخَاطِفةْ وَذِكرَى هَتُونٍ بِنَا طَائِفَةْ
لقد عايشتَ أحداثًا عالميةً كبرى، حرب الخليج بصفارات إنذارها وكماماتها وأشرطتها اللاصقة.
نعم، ابتسامةٌ تعلو الشفاه الآن ونحن نقرأ هذه المفردات، نسترجع تلك الأيام التي طُبعت في ذاكرتنا الجماعية، وكأنها مرّت بالأمس القريب.
تلك القطيف التي سكنتها، وعشتُ فيها تحوّلاتها الاجتماعية، وحياتها الدينية الأصيلة.
حاراتها التي كانت تعج بالناس، الأطفال يلعبون "الطنقور" و"التيلة" و"الدوامة" بضحكاتٍ تملأ الأجواء.
تلك الذكريات الاجتماعية الجميلة التي لا تزال تبتسم لها الروح، وتنير جوانب الذاكرة بوهجٍ دافئ.
وماذا عن أيام الدراسة؟
تلك المغامرات واللمّات مع "الشلة"، والخروج سويًا، والاجتماع في المنازل بحجة المذاكرة الجماعية (ويا لها من وناسة حقيقية!).
تبادل الكراريس ونقل الواجبات، كلها أحداثٌ دراسيةٌ ما زالت محفورةً في الذاكرة بجمالها وعفويتها.
رحم الله أساتذتكم الماضيين، وحفظ الباقين، لقد أثمر غرسهم فيكم أدبًا وصبرًا وعلمًا.
اليوم، ترى أبناءك وبناتك على أعتاب الزواج، يخطون نحو تكوين أسرٍ جديدة. تتذكر طفولتهم، مشكلاتهم، طباعهم... إنها دورة الحياة التي تتجدد، حيث تصنعون ذكرياتٍ جديدة مع الجيل القادم.
بقي أن نستعرض الصداقة والوفاء، ولكنها حقًا تفوق الكلمات، ويعجز السطر عن الإحاطة بها.
لعلها تبقى سرًا يُروى بين الأصدقاء، ويُحفظ في صفحات الوفاء، سرًا لا يُحكى بل تعيشه ويستغرق عمرًا لينمو، سرًا تلتذُ به كلمًا تألمتَ له، لن يستطيع أحد أن يخبرك عن الوفاء بين صديقين يراهما الآخرون مجرد أصدقاء. سأترك الحديث عنه على كل حال.
ولكن، اسمح لي أن أنبئك قبل أن تستبق الكلمات، إن اليوم الذي تعيشه الآن، في هذه الساعة مع من كنتَ صديقًا، أو رحمًا، أو أبًا، أو ابنًا، أو حتى مع كتابٍ تقرأه أو فيلمٍ تشاهده، هو ذكرى ليوم غدٍ، ستسترجعها كما استرجعنا سويًا في هذه السطور بعض الذكريات السابقة.
أردتَ أن أبين أنك أنت من يصنع الذكريات للغد، بما تفعله اليوم وفي هذه الساعة. وهذا هو لبّ الرسالة، فما نزرعه اليوم نحصده غدًا ذكرياتٍ وأعمالًا.
وهل انتهى المقال وتم تحديد الهدف وإصابة كبد الفكرة؟
لا بالطبع، لقد تركتَ لنا تذكرةً هامةً جدًا، تذكرةً تقف بنا عند أصلٍ من أصول الشرائع السماوية وهو المعاد. قال عز اسمه: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).
فإن ذكرى الأمس هي حدث الغد في يوم الحشر. تأمل في "ووجدوا ما عملوا حاضرًا". افتح قلبك لنافذة ذلك اليوم العظيم، واصنع اليوم أحداث ذلك اليوم.
والحمد لله رب العالمين



