إليك بُني 9.. احفظه في داخلك..

من طيبة قلبه، وحُسن ظنه بالآخرين، كان دائمًا ما يُفضي بما يدور في خلده، يُشاركهم ما يُفكر به، وما يتوجس منه.
يتحدث بطلاقة وعفوية، ظنًا منه أن الآخرين يُبادلونه ذات الشيء الذي يعيشه، لم يتوقع أن هذا الظن الحسن، سيكون الألم الذي سيقض مضجعه، ويجعله أسير القلق.
مُؤخرًا أدرك أن عطاء الإنسان فوق استطاعته، وشغفه الكبير الذي يمنحه، هو الشغف الذي كلفه النَّدم على اتساع دقائق يومه، فلا نظرة إنصاف، تُعانق رمشيه، ولا دفء نبض، يُعاضد نبضه، كلها أصبحت سراب وقت.
بُني..
أحدثك اليوم عن رجل، كان الصديق الذي أدرك درس الحياة، وذلك بعد بُلوغه الأربعين عامًا، وكأن ما قبلها كانت الحياة، تُغدق عليه من دُروسها، ولكن للأسف، لم يستوعب هذه الدروس، إلا بعد افتراس الترهل جسده، حيث أخذ منه مأخذًا، سربله بالآهات، واغتراب الروح.
يقول الرجل: إياك أن تُعطي الآخرين فوق طاقتك، وتجعل من راحتهم، هي الأولى، مُقدمًا إياهم على نفسك، فلن ينظروا إليك بعين الإنصاف، والتقدير، وإن وجدوك تتألم، فالكلمات المواسية، لن تخرج من هذه الشفاه؛ لأنهم يرون في علاقتهم معك، بوصلتها المصلحة، ومصدرًا لسعادتهم، لا أكثر.
وأضاف: ليكن في عقلك، أنهم يرون كل ما تُقدمه لهم، أنه من الواجبات التي تقع على كاهلك.
بُني..
لا يختلف الإنسان عبر توأمة الإنسان اجتماعيًا، بأن العلاقات لها إيجابياتها، سعيًا إلى التكامل البشري، فلا استغناء عن هذه العلاقة، ولكن الأهم في هذا الأمر، أن يُفكر الإنسان بنفسه أولًا، وهذه ليست أنانية، كما قد يظنها البعض، فإن المشكلة التي نعاني منها، هو ما تعارف عليه النسق الاجتماعي في زاوية منه، وليس ككل، بأن الإنسان عندما يُفكر بنفسه، هذه الأنانية بذاتها، وأن الإنسان الذي يسعى إلى راحته؛ ليعيش بأفضل حال، هذه الأنانية بذاته.
إن هذه الثقافة لا تتسم بالحقيقة الإدراكية بمكان، فإذا اتجه الإنسان إلى الخير في حياته بمختلف ألوانه، فإنه يحنُّ إلى التكامل، وهذا التكامل، يبدأ من الإنسان ذاته، والذي ينثر ظلاله على أسرته، تباعًا إلى مُجتمعه.
وفي ضفة أخرى، قال الرجل: احفظ سرَّك في داخلك، وما داخلك إلا بُستانًا، تملؤه الزهور، والعشب، والسرُّ يأنس بالزهور والعشب، فلا تُخرجه من أسوار بُستانك، حينها ستذروه الرياح، ولن ينتابك إلا النَّدامة والبؤس.
بُني..
وهُنا لن أبحر في تأمل كلماته، فالمعروف لا يُعرف، هكذا يُقال، فقط جرب بأن لا تبوح بسرّك، وستكتشف روعته على ذاتك، وأهدافك، فليس كل من يكون معك، يتمنى لك الخير، كما تتمناه لهم.
طالما كنت أصغي لهذا الرجل، وبعد وقت، أدركت أن كلامه، هو الصواب عينه، ولهذا أمنحك إضافة على ما أفاضه عليّ.
لا تُتعب نفسك في التبرير إلى الآخرين عن قناعتك، خُصوصًا من تعلم بأنه مُسبقًا اعتمد رأيه تجاهك، قل له "معك حق"، وامضي إلى حال سبيلك.
بُني..
لا تجعل من الآخرين أن يعرفوا ردة فعلك، مسبقًا في أيّ تصرف أو نقاش يكون أو يدور، فليس كل ما يُعلم يُقال، لن تكن لديك القدرة على الاحتفاظ بما تملك بداخلك، ولا تنجر لأن تكون تبعًا لهذا أو ذاك، كُن أنت، وابذل جُهدك في تربية نفسك على الأخلاق الإنسانية، وأن يكون ما تُقدمه، يتفق جملة وتفصيلًا مع هذه الأخلاق، ويُعانق الإنسانية بكل مُحتواها.
بُني..
من كثر كلامه، كثر خطأه، فلا تعتب على أحد، كُنت يومًا مصباحه، وملاذه، تأمل في الحياة، واقرأ أبجديتها بعين حكيم، سعيًا إلى الارتقاء، والاكتفاء.



