الموتى لا يغيبون

ربما لم يكن الموت نهاية، بل امتدادًا آخر للذاكرة…
أو طريقة جديدة لكي يبقوا بيننا دون أن يرهقهم الجسد.
إنهم لا يرحلون فعلاً، بل يختارون زاوية مختلفة للجلوس،
خلف ستارة،
أو في ظلّ مقعدٍ فارغ،
أو على هيئة نَفَسٍ دافئٍ في صباحٍ بارد.
ولأننا لا نراهم… نُقسم أنهم غابوا.
لكنهم يسبقوننا دائمًا،
كأن الطريق إلى العالم الآخر أكثر فسحةً، وأوضح اتّجاهًا،
يمشون بخطى لا تُقاس بالساعات،
ولا يحتاجون إلى ضوء…
فالغياب في جوهره نوعٌ من البصيرة.
أما نحن،
فنعدو خلفهم كمن يلحق حلماً تفلّت من نومه:
تتساقط منا التفاصيل الصغيرة:
زرٌّ غير مثبّت،
حذاءٌ غير مربوط،
قلبٌ لم يُشفَ من آخر وداع.
أراهم كما كانوا… وكما تركونا:
بذرةٌ ما زالت في جيب أحدهم من يوم الحصاد،
ورقة طُويت مرتين وفيها عنوان لم يُطرق،
مبخرةٌ ما زالت عالقة برائحة المسك،
ونظارةٌ ترى العالم نصف ضوء ونصف غيم.
حتى الروائح…
ما زالت تعلّق الذاكرة من أطرافها:
عبق آخر عباءة ارتدتها الأم،
رائحة شعر الطفلة التي لم تنشف بعد من الحمام،
ونَفَسٌ أخير خافت…
ما زال حيًّا في جدران الغرفة.
أسأل نفسي:
كيف يعودون؟
ألم نكن من ألقى حفنة التراب؟
ألم نقل “إنا لله” بصوتٍ مبحوحٍ تكرّر آلاف المرات؟
لكنهم يعودون…
في الأدعية التي تُردد وحدها،
في القرآن الذي يُفتح صدفة على نفس الصفحة،
في البكاء الذي لا نعرف سببه،
وفي الرجفة التي تعبر القلب كزيارة قصيرة من لا مرئيٍّ يعرفنا جيدًا.
في الليل،
أسمع وقع خطواتهم،
أشعر بأنفاسهم قريبة،
ولا أدري…
هل أنا من يتبعهم؟
أم هم من ينتظرونني أن أهدأ لأسمع؟
ربما نحن لا نفترق،
بل نتحوّل…
ربما أنا مجرد وعاء لحزنٍ ما عاد لي وحدي،
بل صار مشاعًا بينهم وبيني،
يقاسمونني حتى دموعي.
وكلما حسبت الغائبين،
زاد العدد…
لا لأن الموت ينهب،
بل لأنه يُعيد ترتيب الأرواح في خارطة أخرى،
حيث يُصبح الغياب نفسه شكلاً من أشكال الحضور…
أوضح من أي وقتٍ مضى.
وأدرك أخيرًا:
أنا لا أبحث عنهم…
بل هم من يفتّشون عن بقاياهم فينا،
في الكوب الذي لم يُغسل،
في السجادة التي لا تزال دافئة،
في الأدعية التي تصعد باسمهم قبل أن يُقالها أحد.
الموتى لا يغيبون…
إنهم فقط
يتعلّمون كيف يسكنوننا
بطريقة لا تحتاج للعين كي تُرى،
ولا للأذن كي تُسمَع،
بل تكفيها رعشةٌ خفيفة…
لنوقن:
أن من أحببناهم
ما زالوا…
هنا.



