وسادتي.. "2"

استقرا في الشقة أخيرًا، وفي الليلة الأولى، فقد كان حسام في حُجرة جاسم، بينما أحمد، سيرقد في حُجرة وائل، بهذه الطريقة نُسِّق الوضع المُؤقت.
في حُجرة جاسم، جاء حسام الخامس، ترتيبًا بين الآخرين، حيث يرقد مع جاسم زميله أنور ومحمد وهاني.
رتب جاسم الحُجرة، وطلب من حسام وضع أغراضه، التي هي عبارة عن كراسته التي يدون فيها ما يشرحه الدكتور في المحاضرة، وأعطاه بجامة من ملابسه، كي يرتديها.
يمتلك جاسم حسًا إنسانيًا، يجعله يستكشف مواضع الخجل في الآخرين، لذا شعر بكمية الخجل الكبيرة التي يعاني منها حسام، فاتجه ناحيته، وأمسك يديه، وخاطبه:
لا تقلق يا حسام، كلنا إخوة، فلو كنت في مكانك، وأنت في مكاني، لاحتضنتني بذراعيك، وفتحت لي الباب، وقلت تفضل على عيني ورأسي، فاترك عنك الخجل.
ابتسم حسام في وجهه، وأجابه:
حسنًا، لن أنسى موقفك هذا، سيظل في ذاكرتي، وأنفاس روحي، فقد علمتني شيئًا لا يُقدر بثمن.
الساعة الآن الحادية عشرة مساء، أحسَّ حسام بالنوم، يغلبه، هاجس، يقرع ذاته، فكيف له النوم، وليس لديه فراش، فقد جرت الأمور بسرعة، لم يحسب لها حسابًا، وبينما هو في غمرة التفكير، إذا بجاسم يُناديه، ويُخبره أن فراشه جاهز، فإن أراد النوم، فإنه ينتظره، فتح عينيه مُتعجبًا، وحُمرة وجنتيه، تُسابق كلماته، وسأله: هذا الفراش من أين؟!
أجابه بكل تواضع: إنه فراشي، فاقبل استضافته لك، أرجوك لا تتحس من الأمر.
رفض أن ينام على فراشه، مُستفهمًا أين سيرقد هو.
بزغت ابتسامة رقيقة من شفتيه، لوقع ابتسامته إشراق الصباحات النَّدية، فإن جاسم له وجه صبوح، وجنتاه، كاحمرار الفراولة، تنضح الحمرة من تفاصيله، إن ابتسم، وإن امتلأ غضبًا.
وأجابه: ما بك؟!، سأرقد على الأرض، فأنا مُتعود على ذلك، وهذا ليس بجديد، فلا يخدعك امتلاء جسدي، فإن علاقتي مع الأرض، كعلاقة الطفل بحنان أمه، بيننا أسرار.
استسلم للأمر الواقع بحياء، فلم يُعطه مجالًا للرفض، ناهيك عن جسده المُنهك، وعينيه المُتعبتين، اللتين تهفوان إلى انسدال رمشيهما.
وعلى الفراش، نظر حسام إلى جاسم، وهو يرقد على الأرض، مُتلحفًا برداء، لا يكاد يُدفئ جسده من هذا البرد القارص، فأغمض عينيه مُتألمًا، ومُتعجبًا من تصرف جاسم الذي حرك مشاعره في اتجاه آخر، لم يعتد عليه في بيئته التي يعيشها.
وبعد ثلاثة أسابيع، انتقل حسام وأحمد إلى شقة أخرى، حيث التقيا ببعض الزملاء، واتفقا أن يكونوا معًا، انتهت الترتيبات خلال يومين، فشكرا جاسمًا، وزُملاءه على موقفهم، على أمل الزيارة، واللقاء بهم في قادم الأيام.
وفي الأسبوع التالي، كان الشغف، يتقاطع مع نبضات جاسم، مُشتاقًا إلى رُؤيتهما، وكيف كان سكنهما الجديد، راسمًا أكثر من سيناريو، يرفل بالسعادة والبهجة، إنه يُبصرهما قادمين من الجهة اليسرى، مُتوجهين إلى المحاضرة، نظرا إليه، فابتسم لهما، وكأنه لم يكن موجودًا، ابتعدا عنه، انقبض قلبه، أحسَّ بسكين، تخترقه، تُمزق لوحة، كانت جميلة لوقت من حياته.



