الأمهات.. بريقُ المجتمعات - 3 فكم هو بريقنا؟

الأم هي المرأة في منتهى الدور الاجتماعي . ليس دوراً حصرياً ، نعم ، لكنه الدور المدعوم بيولوجياً تمام الدعم. والقول بأنه “دور اجتماعي” لا يتجاهل البعد الذاتي والنفسي الخاص بل هو منبثق من هناك.
بدا المقالان السابقان كاستعراض لما يؤثر في الأمهات والأمومة مفهوماً وتطبيقاً ، من مؤثرات ثقافية واجتماعية تأتي مع الزمن وكان خط المائة عام الماضية موضع نظرنا ويمكن لكل واحد منا تمثل الأم في صورتها النمطية السائدة في محطات ثلاث على هذا الخط الزمني، منتصف القرن العشرين متمثلاً في جداتنا وأواخر القرن العشرين متمثلاً في أمهاتنا وبداية القرن الحادي والعشرين متمثلاً في زوجاتنا.
الآن سوف أتناول عاملاً مؤثراً عابراً للزمن! عامل صامت في هيئته لكنه صاخب في أثره. ورغم صخب التأثير هذا إلا أن التعرف والاعتراف به ليس يسيراً بل محفوف بالخوف ويتطلب مستوى من الشجاعة غير مألوف. أنا لست من المعجبين بالمصطلحات السائدة والمنتشرة مؤخراً كمثل: الصدمة وجروح الطفولة والأزمات الماضية التي لم نتشافى منها. لا أنكرها إنما اعتراضي على شياع استخدامها في السياق الاجتماعي لا الإكلينيكي المفترض به أن يحدد مستحقي تلك المصطلحات لا أن تغدو توصيفات يتم تدوالها مع احتساء الشاي والقهوة والماتشا، باردة أو ساخنة. إذن ما الذي أميل إليه؟
أميل لأن أصف هذا العامل القوي في تأثيره بأنه نشأة غير مكتملة. اكتمال النشأة الجسمانية النفسانية الاجتماعية للأطفال هو عملية خاضعة للتفاعل بين الطفل ومحيطه الاجتماعي القريب ولا أقرب من التفاعل مع الوالدين. هذه الدائرة التفاعلية الأولى والحميمة تعرف الطفل على نفسه وعلى العالم وتحدد له مسارات يستخدمها للتعامل مع الآخرين.
هي مسارات سيتم إعدادها وتحضيرها للتعامل مع الآخرين الحاضرين أو القادمين بعد قليل أو بعد زمن طويل وما أقصر الزمن كله في مسيرة حياة نفس واحدة. هذا الطفل المتمثل في صبية وفتاة ويافعة وشابة له مسيرة لن يطول الزمن حتى تبلغ مبلغ النساء وتمسي عروساً ترى خروجها من بيت أبيها الفرار المنتظر أو الوداع المرتقب لاكمال وضعية اجتماعية مفروضة لا طموح شخصي متعلق بها، أو خطوة منطقية لابد من ركوبها لتحقيق الذات خارج بيت الوالدين الذين طال إحكامهما للقبضة على موقف وخيارات الفتاة تجاه نفسها وتجاه العالم . قد تكون رمية حظ تؤدي بها لسلطة رجل شريك حياة متفهم لدوره دون إفراط أو تفريط أو نسخة مجددة للعيش في بيت يقمع ازدهار المرأة الشخصي. من يعلم؟ الرؤية السائدة لدى الأكثرية من اليافعات ثم المقبلات على الزواج من الشابات عما يمثله الزواج لهن ، ليست محصاة في دراسات اجتماعية معتبرة ومنشورة لنقف عند ما ورد فيها. نعم هناك دراسات تتملس ملاحظات قد تكون توجهات اجتماعية غالبة وقفت عند التالي:
تأخير وقت الزواج
تفضيل التعلم ، التعلم أولا
إنهاء الزواج مبكراً ، التوافق أولا
في هذا المقال ليس هدفي لاستعراض هذه الملاحظات وإن كانت تتصل بموقف الزوجة من الأمومة وتنفيذها للدور الأمومي. هدفي أن أستعرض معكم تأثير النشأة غير المكتملة على أداء دور الأمومة من المرأة الزوجة الأم تجاه أطفالها لاسيما الطفل الأول. ولن أذهب لجيل جدات من هم في عمري ولا أمهاتنا، بل جيل الأمهات ممن ولدن في العصر الذهبي اقتصاديا وتعليمياً أي السبعينات والثمانينات حيث كانت الأوضاع الاقتصادية لآبائهم أفضل ممن سبقهم والفرص التعليمية والوظيفية متاحة لمن أرادت منهن التزود بسلاح العلم والمال الخاص والتغلب على الظروف الأسرية الضاغطة والخروج من القدر الجمعي للأسرة نحو قدرها الشخصي الذي يبنى على مكتسباتها التعليمية.

أنا عايشت تجربة والدتي وجمع من أقرانها يعملن ويدرسن بالانتساب في كلية العلوم وكلية الآداب بالدمام. تجربة فيها الكثير مما يستحق أن يروى لأنها تمثل مواصفات مرحلة التغيرات الثقافية والاقتصادية التي انعطفت بالمجتمع والأسرة نحو اتجاهات تربوية معينة ولها أثرها الممتد لليوم. عبر هذا الجيل من الأمهات تجربة العمل والدراسة في آن وهي تجربة لها نتائجها المختلفة. الأعمال والوظائف المتاحة آنذاك لم تكن كما هو الحال اليوم من حيث النوع والكم. فلا يمكن تعميم وصفي ولا تعميم حكمي لعمل المرأة الأم دون الوقوف عند طبيعة الوظيفة ومكانها وما يجمعه ذلك من عبء وظيفي. كذلك الموقف لدى شريك الحياة تجاه الأم الموظفة والمتعلمة له دوره في المحصلة من منظور الضغط النفسي وبالتالي تعزيز أو تعطيل الدور الأمومي بالمنزل. رغم اطلاعي الدقيق على هذه التجربة إلا أن نتائجها لا تصلح للتعميم.
أعود مرة أخرى للتركيز على النشأة غير المكتملة للأم التي للتو تمارس دورها الآن- آخر 5 سنوات أو لنقل من عهد الكورونا 2020 حتى الآن.
أضع الأسئلة التالية:
هل ترى نفسها جاهزة؟
إلى من تنسب جهوزيتها أو عدم جهوزيتها، لنفسها أم لوالدتها ووالدها أم لمدرستها؟
هل لديها تصور مسبق عن الطريقة التي سوف تقوم بها بدورها كأم؟
هل كانت ترجح أن الدور سوف يتم تنفيذه بعفوية واتوماتيكياً "ولا تعقدوها" وهي بسيطة أم كانت ترجح أن هذا الدور له سياسات وإجراءات وبروتوكلات لا تقل عما يجب القيام به لأجل وظيفة مكتبية أو في مصنع كيماويات ؟
هل كان لديها أم نموذجية تقول في نفسها: هكذا سأكون؟
السؤال الأعظم هو ما مدى إدراكها ووعيها بأن نشأتها لم تكتمل ولذلك عليها الحذر الحذر من إيقاع ممارسات ضارة قد تصل حين يغيب الوعي إلى أن تكون إعادة قسرية للممارسات الضارة التي وقعت عليها في طفولتها ونشأتها وتغلغلت في جهازها العصبي لدرجة ما عادت تنتبه إلى أن هذا الأثر المتغلغل فيها لا يصح ولا يصلح للاستخدام مع طفلها الجديد الذي الأحرى به أن يكون فرصتها لإيقاف الممارسات الضارة القديمة التي سببها نوع من القصور الثقافي والاقتصادي الذي ألحق ضرره بمفهوم وتطبيق الأمومة في جيل الأمهات الذي سبق. طفلها الجديد هو فرصة لاكتشاف ما لم تكتشفه من نقص في البنية النفسية لكن ذلك لن يتحقق مع كبرياء لا داعي له يحجب عنها البصيرة ويمنعها عن شجاعة الاعتراف بالقصور. إن أبسط الممارسات العابرة للأجيال المتعددة من الأمهات هي : الصراخ. جيل جداتنا لم يلحق على سماع نتائج الدراسات العلمية الحاكية عن الأثر الضار للصراخ على اتزان الدماغ واستواء نظام الاستجابة للضغط النفسي STRESS RESPONSE SYSTEM لكن أمهات التسعينات ( الأمهات اللاتي أنجبن في التسعينات) حظين بفرصة معرفة نتائج الدراسات ولكن هل توقفن أو أوقفن عجلة الصراخ العابرة للأجيال؟
هذا السؤال عن إدراك الأمهات من الجيل المشار إليه ، سؤال جوهري لأنه ينبئ عن حالة جيل الأمهات اللاتي الآن هن في موضع البداية للقيام به أي الشابات من عمر 25 حتى 30 عام اللاتي تزوجن خلال آخر 5 سنوات أو الآن يتزوجن. لأنهن الأمهات اللاتي عبر إليهن مفهوم الأمومة جارياً من جيل الجدات اللاتي مارسن أمومتهن في الثلث الثاني من القرن العشرين إلى جيل الأمهات اللاتي بدأن ممارسة الأمومة في التسعينات فما بعد. هي عملية أشبه بالعهد المتداول من جيل إلى جيل والسؤال الجوهري في هذا العهد المتداول : هل تتطور الأمومة نحو النسخة الأفضل ضمن مسارات طبيعية ضامنة لهذا الاتجاه أم النسخة الحالية المعاصرة تتسم بمزيج مربك بين ما هو الأفضل وما هو الأسوأ مما تمخضت عنه نماذج الأمومة على الخمسين عام الأخيرة.
لعلنا اليوم لا نجهل نظريات التعلق وهي تحضر غالباً للإشارة إلى تعلق الطفل بأمه. إلا أن الحقيقة تتسع في هذه النظريات للحديث عن تعلق الأم بالطفل بكل مراحله وتعلق الأم بالشريك الزوج. وتشير هذه النظريات إلى نماذج طيبة وأخرى معطوبة يمكن أن تتحصل بكلا الاتجاهات وليس من الطفل باتجاه والدته فحسب. أي أن الأم يمكن أن تنشأ علاقة لها بطفلها ليست قويمة.
انظر مقال نشر بموقع المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية عن حقيقة صدمات الطفولة وأثرها الممتد بحياة البالغين (هنا).
كذلك انظر مقالا يتحدث عن الصدمات العابرة للأجيال (هنا).
علما ً أن ثمة دراسة منشورة عن الشعب السعودي معتبرة إحصائياً تشير لخضوع 80% من الشعب السعودي لحدث جسيم يمكن اعتباره صدمة ولدينا ما يقارب 30% من الشعب خضع لأربع أحداث صادمة وبالتالي نحن نتحدث عن الثلث المحتمل أن يمرر ما خضع له من أحداث ونتائجها عليه ، يمرر كل ذلك لمن سيأتي تحت سلطة النفسية. ماذا أعني بسلطته النفسية؟ لكل إنسان نطاق تأثير يصغر أو يكبر وفقاً لعاملين ، العامل الأول : قوة فعله وحضوره ، والعامل الثاني خضوع المتأثر واستسلامه المقصود أو غير المقصود. فكلما زادت قوة فعل الأم وبرزت تصرفاتها المشبعة بنوع معين من الفكر والعاطفة أو خالية من الفكر والعاطفة ولكما ضعفت حيلة المتلقي واستسلم معتبراً أن كل ما يصدر عن الأم خير وحق ومستحق، انتهينا إلى سلطة نفسية من الام على ذلك الشخص والذي قد يكون في الغالب هو أحد أو كل أطفالها. لا يستبعد أن يكون ذلك أحد أخوتها أو حتى زوجها. هذا التسلط النفسي للأم هو سلاح ذو حدين. بحال استخدمته لأجل تحقيق الدور الأمومي الحامي للطفل والراعي لنشأته كان أعظم سلاح بالعالم وأعظم أداة تبني وتعمر النفس الناهضة السائرة نحو مستقبلها الشخصي. أما إذا كانت هذه السلطة متلبسة بتجارب سابقة تخمرت في مقبض السيف فإنها تتحول إلى أعظم جارح للتكوين النفسي للأطفال. حتماً هي لا تقصد ولا تتمنى أن تكون سلطتها النفسية على هذا النحو. الدراسات تشير لتأثيرات عابرة للأجيال قنواتها الجينات وليست مجرد تصرفات إرادية أو لا إرادية. تخيلوا معي مدى التشابك في الأحداث. مداها يمتد من الموقف للجسم للخلايا للحمض النووي ثم يترجم ميول عصبية وتصرفات قد تمثل نمط حاكم متكرر وقد لا يكون. المنقذ هو لحظة وعي تكسر السلسلة التعيسة للتوارث المضطرب لمواقف وفكر وأنماط عاطفية تتسلط على الدور الوظيفي للأم.
أحد نماذج الأمومة المضطربة هم متلازمة الأم الباردة والتي تفتقد للمحتوى العاطفي في أثناء القياد بدورها.
انظر هذا المقال المنشور بمجلة سيدتي قبل عام (هنا).

أعلاه وصف لـ17 مؤشر دال على متلازمة الأم الباردة. ,وتشمل تجاهل الطفل عند انفعاله-عدم تشجيعه-النقد اللاذع لأخطائه-تكون الأم ذات تاريخ من التعرض للعنف الجسماني والعاطفي-عدم التعبير بالكلمات عن الحب للطفل-عدم الاهتمام بما يمارسه الطفل من أنشطه-تجنب التواصل البصري مع الطفل.
معظم أو كل ما سبق ينطبق على الآباء على حد سواء. ولكن ثمة سبب لعدم ذكرهم الآن. دعونا نستمر مركزين على الأمهات وقياس مدى البريق الحقيقي الذي يمكن لنا رصده وتقدير التقدم والازدهار في مجتمعنا.
ها نحن نرى أن الأمومة مفهوماً وتطبيقاً محاصرة من داخلها ، داخل التكوين النفسي للأم ، الأم الحالية أو المستقبلية، ومحاصرة من خارجها بالجو الثقافي والاقتصادي والنفسي. حصار يجعل المرأة الأم في مأزق وجودي تنبض في جوفه فطرتها والطبيعة البيولوجية المتغلغلة في أحشائها متمثلة في الجهاز الرحم والدورة الشهرية التي تذكرها بانتظام أنها مجهزة لاحتضان جنين وأن تحمل وتلد وترضع، وتستمع لنغم عقلي يغني لها أغنية الذات المزدهرة العابرة للتوقعات الاجتماعية الحصرية المتقوقعة في "أن تتزوج" و "أن تحمل وتلد" وإلا فهي ناقصة. مأزق روحاني ، هو أيضاً فالدين صور للمرأة أن هويتها متمازجة بالأمومة والتبعل ، أي رعاية الزوج الرجل. وهي صورة لعبت ببعض تفاصيله الجميلة يد العرف الاجتماعي الذي إما بالغ أو قصر في إبراز ملامح تلك الصورة دينية المنشأ عن المرأة. كذلك الدين نفسه أعطى للمرأة ذاتية وحرية تتجاوز ولاية الأب والزوج ، خاصة إذا أسيئ استخدام سلطة الولاية تلك. هكذا تظهر الصورة جلية أن المرأة تمر بزمن صعب فيه تحدي وجودي كبير ولأنها مؤشر بريق المجتمعات ودلالة ازدهارها فإن نجاة الأمهات أمام هذه التحديات ليس شأنها الخاص وليس محدود بعالم السيدات بل هو شأن اجتماعي واسع ينبغي التصدي له.
التعليم الحقيقي الأصيل هو الباب إلى الخلاص. في ظل اللغط والضوضاء الفكرية والضجيج المعرفي ، يجب بناء منهج تعليمي محكم يقدم الحقائق خالصة دون مواربة ولا مجاملة ولا خوف ولا لهفة ، حتى يمكن استيعاب ذوات الشأن للحقيقة النظرية للأمومة ومفاهميها ثم النظر ملياً في الأنماط العصرية الملائمة للتطبيق المعاصر والواقعي دون إفراط ولا تفريط. نحن في ختام الثلاث الأول من القرن الحادي والعشرين. تجاوزنا زمن الانترنت والعوالم الافتراضية ، أمسى الذكاء الاصطناعي منافس للأمومة والأبوة في عقر الدار. في مثل هذا الزمن لا بد من استيقاظ كامل ونظر جاد ، وجهد جمعي وعمل مشترك لتعود الأمومة لأشد بريق لها لكي نقول عن مجتمعاتنا: أمهاتنا بريق مجتمعاتنا الحقيقي ، الأول والأخير. لن نتمكن من شطب تاريخ طفولة كل أم ومعالجته من جذوره لكي تصبح اماً أفضل لكن يمكن لكل أم أن تقف بشجاعة لتعترف ، لنفسها أولاً ، أنها تعرضت للكثير أو القليل لكنه كان جارحاً بعمق وقد خلّف في تكوينها النفسي جدران مائلة أو غير مكتملة البناء، ثم تتشجع ثانية ً لتطلب المساعدة، وأنا هنا أسجل فخري البالغ بأمهات كثيرات نلن وسام الشجاعة الأول والثاني وحققن الانطلاقة في مسيرة إصلاح أمومتهن والقيام بدورهن بالغ الأهمية. في مجتمعنا بريق عظيم حجبت جزء منه غفلة ومغالطات آن لها أن تتلاشى لكي نفرح جميعنا بذلك البريق ونعتز ، والأهم هو أن يسلم أطفالنا فهم وسلامتهم المؤشر الحقيقي والأصيل على سلامة الأمومة والأمهات فكراً وتطبيقاً وسلامة الأطفال والطفولة هي مؤشر لمستقبل زاهر لوطن عظيم وعزيز.



