مواجهة لم تكن بالحسبان (الجزء الثاني)

في تلك اللحظة التي وقف فيها الزمن، بينما كان الدب الأسود الضخم يقترب منا بخطى ثقيلة، انطلق فجأة صراخٌ مدوٍّ من بيننا - صوتٌ حادٌّ مليء بالرعب الخالص اخترق صمت الغابة. لم يكن صراخاً متعمداً، بل خرج من أعماق الروح كتحذير طبيعي، صرخة خوف نقية تملّكت أحدنا دون تفكير.
شاهدنا الدب يتوقف فجأة، يرفع رأسه الضخم بحيرة، يحرّك أذنيه الكبيرتين بسرعة، ثم يبدأ بالتراجع ببطء. كان صوت الخوف البشري قد نقل له رسالة واضحة دون كلمات. في تلك اللحظة، أدركنا أن هذا الصراخ اللاإرادي كان وسيلة دفاعنا الوحيدة.
بعد أن ابتعد الدب، بقي جسدي يرتجف كورقة في مهب الريح. نظرت حولي فرأيت عيون طفلي الصغير المتسائلة، أصابعه تشبثت بملابس أمه كما لو كانت شجرة يمكنها حمايته من العاصفة. حتى الهواء حولنا بدا ثقيلاً بصراخنا الذي تلاشى، تاركاً وراءه ذكريات لن تمحى.
وفي طريق العودة، بينما كنا نسير بخطى متعثرة، أدركنا أن الخوف ليس ضعفاً. تلك الصرخة التي انطلقت من أعماقنا كانت هبة من الحياة، تذكيراً بأن غرائزنا قد تكون أعظم حلفائنا عندما تنعدم الحيل. لقد كانت لغة عالمية يفهمها كل كائن حي - نداء البقاء الذي يتجاوز كل الحواجز.
ذلك الصوت بذبذباته المفاجأة اربك الدب ليمضي عنا ، لحظة كشفت لنا عن قدرة الصوت في إشعال الفزع او ربما بث الطمأنينة ..
الآن، كلما سمعت صراخاً في مكان ما، أتوقف للحظة. لم أعد أرى فيه مجرد صوت مزعج، بل تذكيراً وجرس إنذار بأن بعض الأصوات تحمل في طياتها قوة إنقاذ لا تُقدّر بثمن.
فالصوت أعجوبة الحواس، وليس من عبث ان اختار الله النفخ في الصور ليكون اعلانا لبداية يوم القيامة ، فالسمع هو اول حاسة تعمل في الجنين وآخر مايغادر الانسان عند وفاته ، إنها حاسة ترتبط بالذعر، بالإلهام ، بالخشوع والنجاة
تلك اللحظة في الغابة علمتني أن الخوف نفسه قد يكون المنقذ عندما يتحول إلى صرخة تحذير، عندما يصبح صوتاً يهزّ الكون ليقول: "هنا حياة تستحق الحماية".



