وداعًا عثمان الإنسان

فقدت القطيف أحد أعمدتها الفنية، ووجهًا من وجوهها المضيئة والنبيلة، الفنان القريب من الناس، وتحديدًا البسطاء منهم، برحيل الفنان المصوّر وفنان نجارة الخشب، الذي أبدع بمهارة واقتدار في تصميم (نموذج مصغّر لقلعة القطيف ومبانيها)، محوّلًا إياها إلى تحفة فنية راقية، مستخدمًا أفكارًا مبتكرة وعملًا مميزًا وفنًا راقيًا، أبدع بناؤها بألواح خشبية بسيطة، فأجاد بناءها بدقة متناهية.
ترك الفنان الراحل إرثًا ثمينًا بمجموعة كبيرة من الصور التي توثق لتاريخ القطيف القديم والحديث منه، حيث صوّر مختلف شرائح المجتمع القطيفي، من الفلاحين والخياطين والبنّائين والمزينين والبائعين والبحارة من أبناء المجتمع.
إن إبداعات الفنان التصويرية لا تعكس فقط جماليات الحياة في القطيف، بل أيضًا تعبّر عن روح المجتمع وتراثه وتوثّق لتاريخه، لماضي الآباء والأجداد، سكنهم وأسلوب حياتهم وحتى طريقة لباسهم، ونمط عيشهم بشكل دقيق.
إلى جانب الصور التي تحاكي كل جانب وركن من أركان القطيف، وليست القلعة وحسب، بل راح يصوّر القرى وأزقتها وناسها وبيئتها الجميلة، محوّلًا كل لحظة إلى ذكرى خالدة، وإلى تاريخ سيتعرف عليه الأجيال، الذين سيحفظون ماضيه العريق.
كان رحمه الله، يعكس بجمال قلبه وطيبته ورقّته على عدسة كاميرته المتواضعة التي أهدتنا لقطات غاية في الروعة والبساطة. كنا نراه ونحن لا زلنا شبابًا يافعين يحمل كاميرته المتواضعة بين يديه، يدور بها بين الأزقة، ملتقطًا جوانب كنا نعتقد أنها مجرد أطلال مهملة، ولكنه فنان ملهم، يرى ما لا يراه الإنسان العادي! وهكذا كان يقوم بتصوير كل ما يراه مناسبًا للذكرى، وكأنه يملك تصورًا مسبقًا بأن الذي يصوره سيصبح أثرًا بعد عين يوثق لتاريخ القطيف وتراثها.
فقد أزيلت القلعة، وانتهت جداول مياه القرى، واندثرت العيون التي تغذي البساتين وتروي الإنسان والحيوان، ولكن الأثر باقٍ في الصور التي تركها لنا الفنان المبدع عثمان.
كان عثمان أبو الليرات شخصية فريدة، جمعت بين التواضع والرقة، وبين الحكمة والفطنة، فكان قليل الكلام، ولكن عندما يتحدث كانت كلماته تحمل في طياتها معاني لها دلالات عميقة.
عرفته في الصغر، كان يسكن بالقرب من المنزل الذي سقط علينا ونحن صغار (وهذه قصة لم تُروَ بعد)، وكان من الناس الذين حاولوا إنقاذنا. كان شابًا سبّاقًا لعمل الخير، دمثًا، جميل الخُلق والأخلاق، بسيطًا، متواضعًا، أنيسًا في مجالسه، قليل الكلام، يزن كلماته بميزان الرهافة والحكمة، وكلما التقيته في المجالس العامة شعرت بقربه من الناس، كان يجيد فن الإصغاء، وعندما يتعذر عليه الإجابة على سؤالك عن أمر ما، فإن لغة جسده النحيفة تكون سبّاقة لإخبارك بالإجابة الوافية التي كنت تنتظرها.
كانت لغة جسد عثمان تنبئ عن شخصية هادئة، مسالمة، متصالحة مع النفس، فكان جسده النحيف يتحرك بنشاط حتى بعد بلوغه الثمانين، وكانت عيناه تلمعان بذكاء وحكمة، وكان يحرص أن تكون كلماته رقيقة، مع ابتسامة ودودة ملازمة لوجهه النقي أينما ذهب، فهي علامة مميزة احتفظ بها المرحوم إلى أن وافاه الأجل المحتوم.
ستبقى ذكرى عثمان خالدة في قلوب محبيه، فقد كان شخصية محبوبة جمعت بين الفن والحكمة والتواضع. رحل الفنان عثمان ولكن إبداعه سيبقى حيًا في قلوبنا، ويشهد على عظمة الفن والتواضع.
عزاؤنا إلى أبنائه وأسرته ومحبيه، وأسكنه الله الفسيح من جناته، وألهم ذويه الصبر والسلوان.



