الأم دفء الجدران 2

إذا قيل إن البيت جدران وسقف، فإن الأم هي الدفء الذي يجعل تلك الجدران تنبض حياة. البيت قد يظلّ قائمًا بالحجر والخشب، لكنّه بلا أم يبرد سريعًا، ويغدو كونه مكان للمرور لا للسكن.
الأم لا تُصلح أعطال المصابيح أو المواصير كما يفعل الأب، لكنها تُصلح ما هو أعمق: أعطال القلوب حين تتيه، وتشققات النفوس حين تتعب. هي من تحوّل فوضى الأطفال إلى ضحكة، وتحوّل تعب النهار إلى طمأنينة بكلمة أو لمسة. إذا وضعت يدها على كتف ابنها، كأنها تقول للعالم كله: “اطمئن، ما زال لك حضن يأويك”.
تأمل المشهد: تعود الأسرة منهكة من يوم طويل، كل واحد يحمل أثقاله الصغيرة. يفتح الباب، فإذا بالمطبخ يعجّ برائحة الطعام الذي لا يُشبه وصفة مكتوبة بقدر ما يشبه قلبها. يضحك أحد الأبناء فتضحك هي، يتألم آخر فتقترب منه كأن الألم يسري إليها. دفؤها لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى كلمات مرتبة، هو حضور يتسلل في الهواء كما يتسلل بخار الشاي في تلك الليالي.
البيت مع الأم أشبه بمجلس يُضاء بالشموع، مهما تراكمت حوله العواصف، يبقى مشتعلاً بالسكينة. وإذا غابت –ولو ليوم واحد– بدا المكان خاوياً، لا تكفيه كل أجهزة التكييف ولا الأضواء. تسأل الأبناء أنفسهم: ما الذي تغيّر؟ فيكتشفون أن حرارة البيت لم تكن من الكهرباء، إنه من قلبها.
الأم تربي أبناءها على الصبر بقدر ما تغرس فيهم الشجاعة. عندما تعجز اليد عن إصلاح كسرٍ مادي، تأتي هي لترقّع الجرح المعنوي. وحين يُظلم الطريق، تكون الكلمة التي تُشعل في القلب ضوءًا. قد لا تُرى يدها في كل زاوية من البيت، لكنها تُحسّ في كل ركن: في ترتيب السرير، في دعاء تُهمس به قبل النوم، في كأس ماء تقدّمه وقت السهر.
وهنا تكمن الحكمة: من عاش في ظل دفء الأم أدرك أن الجدران لا تحمي وحدها، وأن البيت لا يُبنى بالحجر فقط، تجدهُ يُبنى بالحُبّ الذي لا ينقطع. من فقد هذا الدفء شعر بالفراغ ولو ازدحمت حوله البيوت.
فلتكن للأم كلمة شكرٍ لا تؤجَّل، وابتسامة تُخفف عنها عناء النهار، وذراع تمتد لمساعدتها في المطبخ أو في حمل أثقال الحياة. لأنها تعطي بلا توقف لا كونها تطلب ذلك. إنّ صيانة هذا الدفء مسؤولية الجميع، فهو كنزٌ إذا انطفأ لا يعوّضه شيء.
الأم دفء الجدران، فإذا وجدتَ نفسك تتوسّد حضنها، فاعلم أن العالم كله يهدأ في قلبك. هي البركة التي لا تُشترى، والسكينة التي لا تُستعار. وما من بيت حفظ دفءَ أمه إلا كان بيتًا تُغنيه المحبة عن كل فاقة.



