أين أهل الخبرة من العمل الخيري؟

رغم تزايد الحاجة إلى إدارة حديثة في القطاع غير الربحي، ما زالت كثير من الجمعيات الخيرية تشهد غيابًا لافتًا لأهل الخبرة عن قوائم المرشحين ومجالس الإدارة. الظاهرة لا تُفسَّر بعامل واحد؛ فهناك أسباب شخصية (انشغال، حذر من النقد، تقديرٌ مبالغ فيه لكلفة الوقت)، وأخرى مؤسسية (بيئة يغلب عليها الطابع الاجتماعي على المهني، غموض معايير الترشيح، ضعف الحوكمة)، وثالثة ثقافية (تصوّرٌ أن الجمعية “وجاهة” لا “مسؤولية”). النتيجة واضحة: قرارات قصيرة النفس، تكرار مشاريع بلا تقييم، ضعف في بناء الشراكات واستدامة الإيرادات، وتراجع ثقة المجتمع.
تغيير المعادلة يبدأ من داخل الجمعيات: مسطرة ترشيحٍ شفافة تُعلن مبكرًا، مع توصيفٍ وظيفي لكل مقعد يحدد المهارات المطلوبة ومسؤولياته وحدّ تضارب المصالح، ولجنة ترشيحات مستقلة تستقبل السير الذاتية وتُجري مقابلات مختصرة وفق معايير معلَنة. يُستحدث مقاعد تخصصية غير تنفيذية (مالية، قانونية، حوكمة، تقنية، اتصال مجتمعي) مع دوّارية للعضوية ومدد محددة تمنع الاحتكار وتضمن تجديد الدماء. وتُفعَّل لجان فنية تفويضية تعمل بجدول زمني ومخرجات قابلة للقياس، ويُنشر مختصر أداء سنوي يوضح ما أُنجز وما لم يُنجز وأسبابه.
لا يكفي “الإخلاص” دون إدارة؛ لذلك لا بد من منظومة مؤشرات أداء رئيسية تعكس الأثر لا الجهد: تكلفة الخدمة لكل مستفيد، متوسط زمن الاستجابة، نسبة التحول من المساعدة العاجلة إلى التمكين المستدام، معدل نمو الإيرادات المستقرة، نسبة تنويع مصادر الدخل، رضا المستفيدين وأصحاب المصلحة. نشر هذه المؤشرات يعيد بناء الثقة ويجذب الكفاءات لأنهم يرون ملعبًا مهنيًا واضح القواعد.
في المقابل على الجمعيات أن تُزيل الحواجز العملية أمام أهل الخبرة: اجتماعات هجينة مختصرة بمواد مسبقة، أمانة سرّ مهنية تُجهّز الملفات، حماية المتطوع من “المساءلة العاطفية” بسياسة تواصل مؤسسية، وحوافز معنوية محترفة (توثيق إنجاز، شهادة ساعات تطوّع، خطاب توصية). ولمن لا يرغب بالعضوية الكاملة، يُفتح مساران مرنان: “ساعة خبير” يقدم فيها المختص ساعة شهرية استشارة مركّزة، و“مجلس استشاري” غير ملزم يجتمع فصليًا لتغذية القرارات بالأفكار دون أعباء تنفيذية. كما ينبغي توجيه دعواتٍ مباشرة لأسماء محددة بدل الاكتفاء بإعلان عام، مع تمكين الشباب والنساء ومنحهم ملفات واضحة تعكس قيمة مشاركتهم.
ورسالةٌ لأهل الخبرة أنفسهم: الترشح ليس مزاحمة على مقعد بل تكفّلٌ بأثر. الجمعية اليوم ميدانٌ لاختبار أدوات الإدارة المالية والحوكمة وإدارة المخاطر وبناء الشراكات، وأثر ساعة خبيرة قد يصحّح مسار سنوات. السمعة لا يحميها الابتعاد بل إطار الحوكمة والإفصاح، والمسؤولية المهنية في الخير امتداد للمسؤولية في السوق: نفس القواعد، لكن غايتها الإنسان.
وأخيرًا، على المجتمع أن يطالب بالكفاءة كما يطالب بالنزاهة، وأن يربط تبرعاته بالنتائج لا بالشعارات؛ فحين تجتمع نية صادقة مع إدارة رشيدة، تتحول الجمعيات من إدارة للروتين إلى مصانع أثرٍ مستدام، ويتقدّم أهل الخبرة الصفَّ الأول حيث ينبغي أن يكونوا: في خدمة الناس بميزانٍ من العدل والفعالية والشفافية.



