أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

دهشة… قطرة

حسين المحروس · القطيف اليومالسبت 11 أكتوبر 2025، 8:34 م
دهشة… قطرة

كانت القطرة صغيرة، شفافة كنبضة الضوء، لكنها تحمل في جوفها سرًّا أكبر من حجمها. كانت تعرف، في أعماقها، أنها ليست مجرد ماءٍ يتساقط من غيمٍ عابر، بل هي نطفة حياةٍ تراوح بين السماء والأرض. داخل الغيم، حيث الظلمة مختلطة بالكهرباء الساكنة، كانت تسمع الرعد كنبضٍ للسماء، وترى البرق يتولد من عمق النور. كانت تتأرجح بين تيارات الرياح، وتتمايل كطفلةٍ على كتف الطبيعة، تتساءل بدهشةٍ بريئة: من أكون انا وسط هذا البحر من القوى الخفية؟

فجأت إذ أذن الله لها بالسقوط. لحظة تحررٍ كاملة، لا تشبه موتًا ولا حياة، بل انطلاقة من الغيب إلى التجلي. تهبط في الهواء كبلورة في حضن النسيم، تلعب معه وتخاف منه في آنٍ واحد. تلمح الأرض من بعيد، وتشمّ رائحتها كذكرى قديمة. ومع كل اهتزازٍ في نزولها، تدرك أن الخوف نفسه شكلٌ من أشكال الحياة، وأن كل سقوطٍ هو ميلادٌ جديد لرحلةٍ لا تعرف السكون.

حين تلامس التراب، تمتزج به بلا مقاومة. هناك، في كنف الأرض، تعرف القطرة معنى العودة، ومعنى الانتماء. تلتقي بأخواتها القطرات، فتتجمع لتكوّن جدولًا صغيرًا، ثم نهرًا يحملها في انسيابٍ نحو المنحدر. كانت تشعر أن الوحدة انكسار، وأن الاجتماع خلقٌ جديد. مع كل تدفقٍ في الوادي، ومع كل ارتطامٍ بصخرةٍ أو جذر، كانت تتعلم درسًا آخر في الصبر والتحمل، في التحول من قطرةٍ إلى كيانٍ حيٍّ نابض.

ثم، كما ولدت من غيم، تعود إليه. تصعد خفيفةً كروحٍ متطهّرة، تبخرها الشمس، فتصبح بخارًا ثم غيمًا من جديد. في صعودها، تتذكر نزولها، وفي نزولها تتذكر صعودها؛ وكأنها كائنٌ كتب عليه أن يعيش في رواح بين سماءٍ وأرض، بين بدءٍ وانبعاث. هناك، تدرك القطرة أن سرّ الوجود في التكرار، وأن الديمومة ليست في الثبات، بل في الدوران الأبدي بين المبدأ والمعاد.

في إحدى دوراتها، نزلت قرب مسجدٍ في قريةٍ صغيرة، فسمعت صوتًا يخرج من قلب الأرض ليستقر في قلبها: «وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا». كانت تلك الآية كمشكاة تنير بصيرتها: أنها قطرة حياةٍ تنزل بإذنٍ من الله، لتعيد للأرض نبضها، وتروي منابع الحياة.

وهكذا، أدركت القطرة أن الدهشة ليست انفعالًا، بل هي تفاعل الزمكان مع حركة الوجود، وشاهدة على سرّ الخلق المستمر. كل قطرة، مهما كانت ضئيلة، هي حبل ماءٍ بين السماء والأرض، تعلن في رحلتها أن الحياة دورةٍ من نورٍ ونزولٍ وعودةٍ… تلك دهشة لا تنتهي.