أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

دهشة… رمانة

حسين المحروس · القطيف اليومالإثنين 13 أكتوبر 2025، 9:20 م
دهشة… رمانة

كانت الرمانة تتدلّى من الغصن كقلبٍ معلقٍ بين الأرض والسماء، تلمع بلونٍ لا يُشبه الأحمر، بل يشبه نَفَس الصبح حين يفتح عينيه على أول النور. في سكونها دفء، وفي شكلها وعد، وفي جوفها سرٌّ يُنصت أكثر مما يُقال. كانت تُصغي إلى النسيم، وتتنفّس الضوء كما تتنفّس الكلمة معناها، وكأنها تعرف أن في داخلها عالَمًا صغيرًا من الترتيب الإلهي، حبوبًا تدور في نظامٍ يشبه أفلاك النجوم حين تسبّح حول سرّ الوجود.

كل لمسة من الريح كانت تمرّ عليها كهمسة صلاة، وكل شعاعٍ من الشمس يكتب على جلدها آيةً من سفر التكوين. لم تكن تعرف أنها تكبر، كانت تظن نفسها ساكنةً في الأبد، لكن الزمان كان ينحتها بصبرٍ، كما تنحت التجربة الوعي، حتى صار في لبّها يقينٌ ناعم: أن النضوج ليس وعد البقاء، بل بشارة الرحيل.

وحين لامستها اليد الأولى، لم يكن القطافُ نهايةً، بل بداية عبور. اهتزّت الشجرة كأمٍّ تودّع وليدها، وارتجف الضوء حولها كأنّ سرًّا من الغيب انكشف. شعرت الرمانة أنها تُقتلع لا من غصنها، بل من ذاتها، وأنّ الفقد هو الوجه الآخر للتمام. كانت تعرف في أعماقها أن التحوّل هو اللغة التي تكتب بها الحياة أسماءها في الأشياء.

في الكفّ التي احتضنتها، وجدت دفئًا يشبه رحمًا جديدًا. سمعت نبضًا يذكّرها بارتجاف الأرض حين تُمطر، وشعرت أن الإنسان ليس غريبًا عنها، بل امتدادٌ لها في طريق الخلق — كلاهما ثمرةٌ خرجت من طينٍ واحد، يحِنّ إلى نوره الأول. عندها أدركت أن القطاف ليس انفصالًا، بل رجوعٌ إلى الدائرة الأولى، حيث الأخذ والعطاء يتعانقان في معنى واحد.

تذكّرت الماء الذي صعد من الأعماق ليهبها الحياة، وتذكّرت الضوء الذي دخل لبّها ثم سكن، لا ملكًا لها، بل وديعةً تُردّ كما تُردّ الأرواح إلى بارئها. كل حبةٍ في داخلها كانت تُسبّح في صمتها، تنشد العودة إلى التربة التي منها خرجت أول الحكاية.

وهكذا، تبقى الرمانة في سرّها درسًا للدهشة:
أن السقوط ليس فناءً، بل رجوعٌ إلى الرحِم الكبير.
وأن النضج ليس اكتمالًا، بل يقظةُ وعيٍ جديدٍ نحو النور.