أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

غلف عطاياك بالكرامة!

هلال الوحيد · القطيف اليومالأربعاء 15 أكتوبر 2025، 10:58 ص
غلف عطاياك بالكرامة!

تقول النصيحة الانجليزية: Wrap your charity with dignity أي غلف عطاياك وصدقاتك بالكرامة.

الصدقة نوعان؛ صدقة في السر وصدقة في العلن. كلاهما له مزاياه وأجره. لا أعرف أيهما أفضل ومن يرغب أن يعرف يجد الجواب في محله. كل صدقة هي جبر خاطر وقضاء حاجة محتاج والمحتاج له ماء وجه وكرامة تصان. تعال نأخذ جولة قصيرة في سيرة بعض من كان يغلف عطاياه ويلفها بالكرامة:

كتب أعرابي للإمام الحسن بن علي عليه السلام يشكو حاله:

لم يبق لي شيء يُباع بدرهمٍ * يكفيك رؤية منظري عن مخبري
إلا بقايا ماء وجهٍ صنته أن لا يباعَ وقد وجدتكَ مشتري

فأجابه عليه السلام:

عاجلتنا فأتاك وابلُ برنا طلًّا * ولو أمهلتنا لم نقصرِ
فخذ القليلَ وكن كأنكَ لم تبع * ما صنته وكأننا لم نشـترِ

وأعطاه معروفاً كثيراً واعتذر إليه.

جاء أعرابيّ سائلًا الإمامَ الحسن عليه السلام فقال: أعطوه ما في الخزانة، وكان فيها عشرة آلاف درهم فقال له الأعرابي: يا سيدي هلا تركتني أبوح بحاجتي، وأنشر مدحتي؟ فأجابه الإمام:
نحن أناسٌ نوالنا خضلُ * يرتع فيه الرجاء والأملُ

يروى عن الإمام الصادق عليه السلام: لا تتصدق على أعين الناس ليزكوكَ، فإنك إن فعلتَ ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك، فإن الذي تتصدق له سرًّا يجزيك علانية.

كان أحبّ شيء عند الإمام علي بن الحسين عليه السّلام الصدقة في السر، لئلّا يعرفه أحد. رأى محمد بن شهاب الزهري علي بن الحسين عليه السّلام في ليلةٍ باردة وعلى ظهره دقيق يسعى به إلى جماعة. فقال له: يا بن رسول الله ما هذا؟ أجابه: أريد سفراً أعددت له زاداً أحمله إلى موضعٍ حريز، قال: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى عليه الإمام عليه السّلام فقال: دعني أحمله عنك فإني أرفعك عن حمله. فقال عليه السّلام: لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني من سفري ويحسن ورودي على ما أرد عليه أسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني. فلما كان بعد أيام لقيه ابن شهاب وقال: يا بن رسول الله لستُ أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً! قال عليه السّلام: بلى يا زهري ليس هو كما ظننت ولكنه الموت وله استعد، إنما الاستعداد للموت تجنب الحرام وبذل الندى في الخير.

{الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فى سبِيلِ اللّهِ ثُمّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّا وَلا أَذًى لّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. أسوأ أغلفة العطايا المنّ والأذى. "من كثر امتنانه وأذاه لمن يتصدق عليه بطلت صدقته، كما يبطل التراب الذي يكون على الصفوان". الصفوان الصخرة الكبيرة التي تكون في المفازة فيجيء المطر فيغسل الترابَ عنها و يذهب به، فضرب الله هذا المثل لمن اصطنع معروفًا ثم أتبعه بالمن والأذى.

إذا أردت أن يكون ما تضعه في يد الله جميلًا غلفهُ بالكرامة. يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ما تقع صدقة المؤمن في يد السائل حتى تقع في يد الله، ثم تلا هذه الآية : {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}.