تأملات في اللا شيء

بعد سنوات من الحديث عن “اللا شيء”، لا يزال يبدو اللفظ ساذجًا في ظاهره، عميقًا في جوهره. فالذهن البشري لا يستطيع أن يتصور العدم المطلق، لأن التفكير ذاته فعل وجود. ومع ذلك، يصرّ العقل على أن يقف على حافة هذا الفراغ، يتأمله، كمن ينظر في بئرٍ بلا قاع، متسائلًا: هل يوجد في اللاشيء ثمة شيء؟ وهل يمكن أن تولد المادة من فراغٍ تام؟
سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء عليها السلام قالت (ابتدع الاشياء لامن شيء كان قبلها)، لو نظرنا إلى الكون بعين الفيزياء الحديثة، لوجدنا أن ما نسميه فراغًا ليس فراغًا بالمعنى الذي توهمناه. فحتى حيث لا ذرة ولا ضوء، لازال في الفراغ يوجد هناك نبضٌ كميّ خفيّ، حقلٌ يتذبذب في صمت، يولّد جسيماتٍ تظهر وتختفي في لحظةٍ أقصر من أن تُقاس. يسمّيه العلماء “الفراغ الكمي”، لكنه في الحقيقة رحم الوجود المتجدد؛ فمنه تنبثق المادة والطاقة والمجالات كلها، التي هي بذرة الشيء. فاللاشيء — في لغة الكون — ليس نفيًا، بل استعدادٌ للحضور والتكون والظهور.
تحتاج ان تسبح معي بخيالك هنيئة، فترى مجالًا مغناطيسيًا بين قطبين متنافرين. في هذا الفراغ، لا وجود للهواء، لا ذرات، ومع ذلك، يتنفس المجال وينبض، كأنه يعيش في فضاءٍ من لا شيء. كيف يكون هذا؟ لأن الفراغ نفسه ليس خاليًا، بل ممتلئ بإمكانات لظهور المادة بطريقة لا تُحصى. إنه النسيج الخفي الذي يحمل قوى الوجود كلها. حتى الضوء، وهو الابن البار للاكترو مغناطيسية، لا يحتاج وسطًا ليعبر، بل هاهو ينساب في الفراغ كما تسبح هذه الافكار، في وعيك ياصديقي الان!
هل يدهشك أن هذا “اللاشيء” لا يخضع للجمود؟ بل لقوانينٍ أدقّ من المادة نفسها. إنه عالَم من الاحتمالات، اذ تتكوّن فيه الجسيمات الافتراضية، كأنها ومضات حلمٍ كونيّ تولد وتموت قبل أن تستطيع ادراكها او قياسها.
هيا نتفق سوية على ان مانسميه فراغا هو واقع يضج بالحياة في صورةٍ أخرى، حياةٍ بلا أجساد، بلا زمانٍ مستقر، وبلا شكل ثابت. إنه الصمت الذي يسمع نفسه من بين مسام الحقول والمجالات الكمومية.
بلهجة روحية، يشبه هذا اللاشيء حال القلب حين يخلو من الضجيج، لا ليفقد الإحساس، بل ليتهيّأ من جديد لتلقي الفيض الالهي. فالنفس التي تفرغ من رغباتها الحيوانية لا تموت، بل تعود إلى طهارتها ونقائها، فتغدو قابلةً لأن تستقبل النور. وكما أن الفراغ الكوني يُنجب المادة من اهتزازه، كذلك الفراغ النفسي يُنجب المعنى من سكونه.
أختي القارئة، أخي القارئ… لا تخف من الفراغ في حياتك. أحيانًا، حين يخلو الطريق، يكون ذلك نداءً لتسمع نفسك. حين يتفرق الناس، وتبهت الضوضاء، لا يعني أنك وحدك، بل أنك عدت إلى الله بصفاء اكثر، حيث تتكوّن بداياتك الجديدة. اللاشيء ليس نهاية، بل فجر التكوّن الجديد.
اتمنى انك لم تفلت من يدي في زحمة اللاشيء، فإن اللاشيء الذي ظننّاه غيابًا، هو في الحقيقة حضورٌ من نوع آخر. هو الهدوء الذي يسبق الانفجار، والصمت الذي تسبح فيه المعاني قبل أن تتجلّى في الكلمات. في قلب هذا الفراغ تكمن أول شرارةٍ للخلق، وفي قلب الإنسان الصامت تكمن أول نبضةٍ للنور. فمن تأمّل اللاشيء… أدرك أن كل شيء يولد منه، وأن في السكون تسكن الحياة بشيء من الهدوء والتعلق الاشد بالله سبحانه وتعالى.



