أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هل تجيد لعبة الكرة الطائرة؟

حسين المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 21 أكتوبر 2025، 4:20 م
هل تجيد لعبة الكرة الطائرة؟

إن كنت تلعب كرة الطائرة بشغف، يا صديقي، فجرّب أن تراها بعين الحياة فهي احدق من عين المحترف. لعبةٌ بسيطة في ظاهرها، لكنها تُخفي قانونًا إنسانيًا بديعًا: أرسل الكرة إلى ملعب الآخر، فإمّا أن يعيدها إليك، أو تُسجَّل لك نقطة على كل حال. هكذا يبدو الأمر في الرياضة، لكن في الوعي… إنها مدرسة في هندسة الذكاء العاطفي.

الحياة نفسها ملعبٌ فسيح، تتقاطع فيه الضربات والنوايا. كلنا نبدأ متعادلين، لا فضل لأحدٍ على أحد، فكلنا من ماء وطين. تبدأ المباراة حين يبدأ أحدنا بالإرسال الأول — حين يمدّ يده بالإحسان، يبتسم رغم تعبه، يقضي حاجة أخيه المؤمن. تلك هي الضربة الأولى التي تكشف معادن الناس، وتُظهر من منّا يردّ الجميل، ومن سيترك الكرة تسقط بصمتٍ في أرضه.

أبوك أرسل الكرة اليك حين شملك بلطفه و دعا لك في سجوده، وأمّك حين سقتك لبن الرحمة وسهرت على أنفاسك، ومعلّمك حين غرف لك من نهر علمه، وصديقك حين تذكّرك في ضيقك… كلّهم أرسلوا لك كراتٍ من إحسانٍ صادق. والردّ عليهم واجبٍ اجتماعي، بل قل انه مشاركة في لعبة الكرامة الإنسانية. إن رددت الإحسان بإحسان، تعادلتما في الفعل، لكن يبقى لهما شرف المبادرة. فالسخاء ما كان ابتداءً.

لذلك يا أخي القارئ، لا تنتظر الكرة لتأتيك. كن أنت البادئ دومًا، وأحسن كما أحسن الله إليك ابتداءً. لا تربط إحسانك بالنتيجة، ولا تحسب النقاط بعين البشر. أرسل معروفك كما تُرسل الريح الطيبة عطرها في السماء، لا تسأل: من سيشمه؟ ومن سيرده؟ فالله وحده يتكفّل بعودة الطيب اليك.

أتذكر صديقي “سامي”، كان كلما مرّ بجاره المسنّ حمل عنه الأكياس، رغم أن الشيخ بالكاد يبادله التحية. استمرّ على ذلك أشهرًا، حتى جاء يوم وجد فيه باب الجار مفتوحًا ورجال الإسعاف في الداخل. سلّمه أحدهم ورقة بخطٍ مرتجف: “يا بني… لم أجد في حياتي من تذكّرني سواك، أدعو لك في كل صلاة.”

حين قرأها “سامي” بكى، لا لأنه كسب نقطة، بل لأنه اكتشف أن الإحسان لا ينتظر تصفيقًا، بل يُزهر في القلب نورا.

فلا تُصغِ لمن يحبطك: “لا تعمل خيرًا، فالناس لا تردّ الجميل.” أولئك لا يعرفون قواعد اللعبة الانسانية. في طائرة الحياة، النقطة تُسجَّل عند الله لحظة نيتك، حتى وان لم تسمع تصفيق الجمهور. ربما لا ترى ثمار عملك اليوم، لكنها محفوظة في كتاب لايضل ربي ولاينسى.

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:
“إن مكرمةً صنعتها إلى أحدٍ من الناس إنما أكرمت بها نفسك.”
كأن الإمام يقول: النقطة الحقيقية تُكتب في السماء لا على طين الأرض.

ولعلّك أحسنت كثيرًا ولم تحصد تقديرا؟ لا تحزن ولا تفقد الامل! قطعا قد ربحت سكونًا ورضا، و يقينًا أن الله شاهد اللعبة كلها. ارمِ معروفك في بحر الله، ولا تبحث عنه في بحيرة الناس؛ فإن عاد إليك شكر فذلك فضل، وإن لم يعد، فالله سيرده إليك مضاعفًا حين تكون أحوج إليه.

استمرّ بالإرسال يا صديقي…
فالحياة ليست صراعًا على الفوز، بل تدريبٌ دائم على العطاء النقيّ. كرة الطائرة لن تنتهي بانتهاء الجولة، بل حين يتعب القلب ويتوقف عن إرسال النور.

فارمِ كرتك الطيبة من جديد، فلعلّ إحسانًا صغيرًا منك يُعيد توازن اللعبة في قلب مؤمن، ويُدخل إلى هذا العالم شيئًا من نور كرتك الطائرة.