مُتكئًا على يديه.. "١"

وأراني فيك، استنطق القادم من العمر، لي فيك حكايتي، المأساة التي تُلاحقني مُنذ كنت صغيرًا، أهي تلاحقني، أم أجدني ألاحقها؟
لست أدري..
ما أعلمه، أني اتخذت من عينيك طريقًا، لا زلت أخطو في هُدوء؛ لأنقب عن وجعي، وجعي القادم، كظلك، يعبرني كلما اشتقت لنفسي.
المساء لا يعرفني، هو أتقن لغتك أنت، وحدك، يا لوجعك، هذا يُدخلني الجب؛ ليغرقني الوحل، ولا ماء، يُطهرني مني، لازلت تتلبسني، تُشيعني حيث الغياب، يحملنا معًا في نعش، يُشبهنا.
هل تستحضر طُفولتك الآن، والشمس، تلفح وجهك، التجاعيد ازدحام اللغز في أغنيتي، والتي لا أعرف منها سوى اللحن، الكلمات، تهرب، كأمنية.
يا لهذه الحياة، بنا تفيض، لا تنسج غزلها المُغري، تُطرزه على مقاس أحجيتي، أنت وحدك، علمتني أن الدقائق، هي اللحظات التي تشعر فيها، أنك وحدك، وبأنك الألم، الحسرة، حيث لا أحد، يُقاسمك خُبز الطريق، أو ينثر على جبينك قطرة ماء، أظنها، كرائحة الثلج.
لما جلوسك على قارعة الطريق، الجو حار عليك، أليس ثمَّة من يأتي إليك؛ ليأخذك إلى حيث الراحة في منزلك.
حدَّق في المارين من أمامه، وكأنه يبحث عن شيء ما، وعيني تُحدقان في ملامحه، تجاعيده، هذا البياض الساكن في كله، جسده النحيل، المُتعب، شيء آخر، يُشبعني تحديقًا، فألمس فيه غُربة، تجرح القلب، وتفتح نافذة البصيرة في عينيه.
أخالني عُمرًا، يلجُّ في ذاكرتي؛ فأستعيد الحزن الجارف في ذاتي، مُتكئًا على يديه، مُبحرًا في مُخيلتي، اصطاد من عميق بحره رسالة، جاءت على هيئة كلمات.
كان يحمل الدواء في يده اليُمنى، يهزه ببطء، وكأنه يستشرف الذكريات على وقع ظله.
لم تُطاوعني قدمي تركه، لديَّ فضول أن أغور في أعماقه، يبدو أني لما أعانيه من الألم، الحزن الذي يلفني، أصبحت أشتاق إلى من يُشاركني، إلى من أتقاطع معه، وهذه طبيعة بشرية، فالإنسان يأنس، وإن كان ذلك من طريق المشاركة في المُعاناة.
أخبرته هل ينتظر أحدًا؛ ليأخذه من المشفى، لأني شعرت بأنه لا مُرافق معه.
لازال يتأملني بعينيه الذابلتين، لم يتفوه بكلمة، أحسست أني أزعجته، وعندما هممت بالذهاب، أمسكني من أصابعي، وابتسم في وجهي.
أجابني بلطف، أنه جاء بسيارة أجرة إلى المشفى، وهو في انتظار أن تلمح عيناه سيارة؛ لتُأخذه إلى منزله.
حينها، انتابني شُعور بالحزن، فطلبت أن يسمح لي بإيصاله، وأن يعتبرني ابنه، وافق على استحياء، وفرحت كثيرًا لاستجابته.
أمسكت يديه، توجهنا إلى سيارتي، كان يمشي ببطء، أركبته في المقعد بجانبي، وانطلقنا.
كنت أصغي إليه، وأقتنص الفرصة؛ لأتأمله، حديثه أرغمني على الصمت، على التأمل، على النظر إلى ما أعانيه بأنه شيء لا يُذكر أمام ما يُعانيه، هو.
عندما تنظر إلى مُعاناة الآخرين، تصغر في عينيك مُعاناتك، هذه المقولة آمنت بأنها صادقة جدًا، وهذا الإصغاء، هو الحقيقة عينها، تركته ينفث ما بداخله، لم أقاطعه في حديثه، فقط كنت أعلق بكلمة، بطريقة أستدرجه؛ ليكمل حديثه، فإن الكلام، يُعد مُتنفسًا، وهو بمثابة العلاج إلى الإنسان، أكان مُتحدثًا، أم مُستمعًا.
كان يُحدثني بحزن عميق، كمن يسترجع ماضٍ أوجعته الأيام، هو رجل أنعم الله عليه، مُتقاعد مُنذ ثلاث سنوات، حكايته مزيج من الوجع واللطف، هو وحيد والديه، وذلك بعد حادث سير، تعرض له والداه، تسبب بإصابة لوالدته، والتي أثرت على رحمها، ومنعها من الإنجاب.
مع مُرور السنوات، كثيرًا ما تُلح عليه أن يتزوج بامرأة أخرى؛ ليُرزق بأطفال، ولكن والده يرفض دائمًا، ويُجيبها بدفء، وحنان: ولدي محمد منك، وهذا يكفيني.



