أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الفضل بينكم

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالسبت 8 نوفمبر 2025، 11:47 ص
الفضل بينكم

البيوت لا تسقط فجأة إنما تتآكل ببطء ككأس يمتلىء قطرة بعد قطرة حتى يمتلىء الكأس و يفوض. وما أن يُصرّ كل طرف على تذكّر الجراح ونسيان الأيادي التي امتدت يومًا بالمحبة. في لحظات الخلاف يتكفّل إبليس بتضخيم العثرات حتى يخيّل للزوج أن شريك حياته لم يكن في يوم سندًا ولا رحمة. وتكفي شرارة صغيرة ليطفو إلى السطح تاريخ من الهفوات بينما تغيب صور العطاء والحنان التي صنعت العمر.

القرآن سبق أن أشار إلى هذا الميزان الدقيق حين قال تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114، صـ 224]، وكأن الآية تضع يدها على مفتاح إصلاح القلوب قبل أن تتآكل العلاقات. وفي موضع آخر جاء التذكير: ﴿وَلا تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237، صـ 39]، وهي وصية لو جرى العمل بها لما اهتزّت أركان كثير من البيوت.

الحديث مع الناس يكشف أنّ هناك من يرى هذه المبالغات وباءً يلتهم البيوت وهناك من يعتبرها طارئة لا تتحوّل إلى أزمة إلا إذا غاب الوعي. وبين هذين الرأيين تتكشّف حكايات واقعية: زوجان هددهما الطلاق لولا أن أحدهما تمسك بذكر المعروف وأسرة عادت إلى صفائها لأن الزوجة أعادت التذكير بموقف كريم صنعه شريكها في محنة سابقة.

المسألة إذن ليست في وقوع الخطأ فالخطأ جزء من حياة البشر اليومية إنما في طريقة القراءة. من يفتح دفتر الأيام على الصفحات السوداء وحدها يرى حياته مأساة لا رجاء فيها إذ نظر فقط في تلك الزاوية وتلك الصورة ومن يوازن بين الصفحات يكتشف أن الخير أعظم من الشر وأن ما يجمع أقوى مما يفرّق ولعل في قول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصّلت: 34، صـ 478]، درسًا عمليًا يطفي وينهي غضب المواقف ويحوّلها إلى مودة.

ولأن الناس يحبون أن يتداولوا القصص تتسرب هذه الظاهرة إلى المجالس. أحدهم يحكي عن بيت هدمته كلمة وآخر يروي كيف أصلح ذكر موقف حسن بين زوجين إذ كان على وشك الانهيار. في هذه القصص يكمن درس عملي: أنّ الحكمة أن لا ننكر وجود الأخطاء وإنما أن نبقي مساحة للحسنات كي تطفي لهيبها.

في نهاية المطاف، الاستقرار ممارسة يومية: أن يختار الزوجان أن يتذكرا المعروف وأن يقدما صورة الخير على صورة السوء وأن يحملا في الذاكرة دائمًا أن “الحسنات يُذهبن السيئات”. وهكذا تخمد الفتن في مهدها ويستعيد البيت هدوءه قبل أن يتصدع.