من قطيف البحر إلى ردهات الرياض.. ضحى أخضر تنسج مجد الحرفة بالعقدة في «بنان»

بأصابع تتقن الإصغاء إلى الخيط، وبحسّ فني يستعيد ذاكرة البحر وأسرار عقده، سجّلت الحرفية ضحى أخضر من محافظة القطيف حضورًا مميزًا في النسخة الثالثة من الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية «بنان»، المقام في جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، تحت رعاية صاحب السمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، وبمشاركة أكثر من 400 حرفي وحرفية من 40 دولة حول العالم.
ولفتت ضحى الأنظار منذ اللحظة الأولى، حيث امتلأ جناحها بأعمال نسجتها بالكامل من القطن الطبيعي دون أي أدوات، معتمدة على فن المكرميات أو «فن العُقدة» الذي ارتبط قديمًا بحبال البحّارة وصناعة شباك الصيد.
وتجسدت داخل جناحها مشاهد مثيرة بلوحات معلّقة بألوان هادئة وتكوينات هندسية دقيقة، وقطع تتدرج من الزخارف الجدارية إلى الإكسسوارات اليدوية، بينما حملت كل قطعة توقيعًا منفردًا يكشف قدرة الحرفية على تحويل الخيط الواحد إلى عمل بصري متقن يولّد ظلالًا وحركة بمجرد النظر إليه.
وامتلأ جناحها بقطع تنسج حضورها بتنوع لافت، حيث عُرضت لوحات ذات تصاميم زخرفية دقيقة، وتعليقات جدارية طويلة تنسدل بخيوط منسقة في طبقات متدرجة، وتجاورت مفارش ومقابض ومنسوجات تجمع بين القوة والنعومة، بينما تقدمت قطع بألوان ترابية مع أخرى بأطياف أنثوية دافئة في انسجام بصري يجذب المتلقي.
وظهرت ضمن أعمالها أشكال مستوحاة من البيوت التقليدية وعناصر القرى القديمة، إلى جانب قطع تجسّد رموزًا ثقافية سعودية، ما جعل جناحها محطة لالتقاط الصور والوقوف الطويل من قِبل الزوار والوفود والشخصيات الثقافية، الذين تلقّوا منها نماذج من أعمالها المصنوعة بعناية، في لحظات تجسّد قيمة العمل اليدوي وأصالته.
وتلقت ضحى خلال مشاركتها دعمًا معنويًا لافتًا، حين شرف جناحها الرئيس التنفيذي لهيئة التراث الدكتور جاسر بن سليمان الحربش بزيارة خاصة، تقديرًا لاهتمامه الكبير بالحرف اليدوية ودعمه المستمر لأصحاب المهن الإبداعية، وهو ما انعكس في تفاعل الزوار الذين شاهدوا تقدير المؤسسات الثقافية الرسمية لهذه الحرف الأصيلة، وحرصها على إبراز نماذجها الملهمة على منصات وطنية كبرى.
وقدّمت ضحى أخضر صورة بديعة عن الحرفة النسائية في القطيف، حيث جمعت في أعمالها بين البساطة البصرية والدقة في عقد الخيط، وتمكنت من بناء تكوينات متماسكة دون أي أدوات، مستحضرة ذاكرة البحر الشرقية في أصل هذا الفن.
وتحول جناحها إلى مساحة تمنح الزائرين تجربة حسية يتعرفون فيها على طريقة العقد وأساليب التنسيق، ويشاهدون كيف يمكن لخيط واحد أن يصبح فنًا يشغل المكان بروح جديدة.
وأثبتت ضحى اخضر حسب قراءة «القطيف اليوم» من خلال مشاركتها أن الحرفة ليست مجرد عقدة تشد، بل فن يحاك بصبر، وقصة تكتب باليد، وهوية تمتد من القطيف إلى جمهور واسع داخل «بنان»، حيث تحكي خيوط القطن ما لا تستطيع الكلمات قوله.
ويبرز الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية كأحد أهم الفعاليات الوطنية التي تحتفي بالتراث غير المادي، وتظهر دور الحرفيين في المشهد الإبداعي السعودي، خاصة مع إعلان عام الحرف اليدوية 2025، ومشاركة واسعة تقدم نماذج من النسيج والزخرفة والخشب والفخار والمعدن.
ويستضيف «بنان» جمهورية الصين الشعبية ضيف شرف هذا العام، ويُقدّم ورشًا حيّة وجلسات حوارية تسهم في تطوير الحرف وتمكين ممارسيها، وتبني جسور تعاون ثقافي بين الشعوب.
ويواصل المعرض استقبال زوّاره حتى 26 نوفمبر، ليتيح لهم فرصة مشاهدة هذا الجمال الحرفي الذي صاغته الأيدي السعودية بإبداع متفرّد، وكانت ضحى أخضر إحدى أجمل صوره.













