أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بين التوقع والواقع

حسين المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 18 نوفمبر 2025، 12:39 م
بين التوقع والواقع

خلافًا لما قد يبدو عليه العنوان من صعوبة، أود أن أكتب هذا المقال وكأنني أتحدث مباشرة للقارئ الكريم، بلا حواجز، وبلا جفاف علمي. لأن الفكرة التي سنتناولها اليوم تتسلل إلى حياتنا اليومية أكثر مما نتوقع، وتمسّ مشاعرنا بطريقة واقعية. مع أن المسألة بسيطة، لكنها تكشف الكثير مما يجري داخلك دون أن تنتبه. إنها عملية متواترة متكررة يحذوها دماغك طوال الوقت، منذ لحظة استيقاظك إلى لحظة نومك، فهو يتأرجح بين التوقع والواقع.

وبالرغم من الهدوء الظاهري للدماغ، إلا أنه يعيش في حركة دؤوبة بلا توقف. فهو بدل أن يصبر وينتظر الحدث ليقع، تراه يتجه لأن يبني “توقعًا” موازيًا للواقع قبل حدوث ذلكم الواقع؛ توقعًا مسبقًا في داخله، مشهدًا مشهدًا، لقطةً لقطة، على هيئة صور وخيال. فمثلًا عند الصباح بينما ترتشف القهوة الدافئة فأنت تتهيأ لسماع كلمة لطيفة من أسرتك، ولمقابلة شخص مهم في العمل، ودوما تتمنى ليومك أن يكون سعيدًا، ولخطوة في مشروعك أن تتكلل بالنجاح. هذا يشبه كما لو كنت تعيش في عوالم متوازية كما يقول الإخوة الفيزيائيون، ولكن هذه المرة بفارق جوهري، وهو أن هذه العوالم المستعارة (الدماغية الخيالية الداخلية) هي معنوية وهمية وليست حقيقية واقعية. فهي تتكون في الدماغ وتبقى حبيسة الفكر والوهم، ثم ما تلبث أن تتحول إلى واقع حقيقي عندما تعيش وتتلبس هاتيكم اللحظة الواقعية نفسها. فالفرق بين ما قد توهمنا من توقع وما قد عشنا من واقع هو هامش الخطأ الذي يسعى الدماغ جاهدًا لأن يجعل مقداره صفرًا. ولكن لأن هذا الاختلاف ربما لا يكون صفرًا في حالة التمايز بين المتوقع والواقع المَعاش، عندها قد نصاب بالدهشة والإحباط والندم. لماذا؟ لأننا لم نحصل على ما نريد (فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا). بلهجة عامية، نحن “نتقوقع” أصلًا داخل “صور التوقع” التي نصنعها في عقولنا قبل أن يبرز لنا العالم الصورة الحقيقية “للواقع”.

فمثلًا أنت تتوقع ما الذي سيقوله هذا الشخص؟ إلى أين سيتجه مشروعهم؟ كيف سيكون مزاجها بعد قليل؟ هل هذا الصوت خطر عليهم؟ هل هذه الكلمة تجرحكم أم تطمئنكم؟ ودماغك لا ينتظر وقوع الحدث، بل على العكس فإنه يتوقّعه قبل أن يتكون ويصل إليه. وحين يتجسد الواقع قائمًا، يبدأ الدماغ في مقارنة ما حدث مع ما قد توقّع. الفارق بينهما هو مقدار “خطأ التنبؤ”، ذلك الشرخ الرياضي غير المرئي الذي يحرّك كل شيء في حياتك.

هنا يبدأ الدماغ عملية معقدة تتمثل في إعادة بناء النموذج الداخلي للعالم على طبق الأحداث المستجدة. إنه أشبه بمهندسٍ يهدم الخرسانة التي تشققت، ليعيد صبّها من جديد وفق قياساتٍ أكثر دقة وواقعية. وكنتيجة لإعادة البناء هذه يصبح الشخص أكثر حكمة وإدراكًا ووعيًا وقدرة وواقعية. وعلى النقيض من ذلك قد يصاب بالإحباط إن رفض تقبل الواقع المرير الذي للتو قد اصطدم به. هذه صورة جلية للتفاضل والتكامل الحقيقي للحياة، حيث كل لحظة تُشتقّ من اللحظة التي سبقتها، وكل خبرة تُكمّلها الخبرة الأعمق منها. وما شخصيتنا إلا تجميعات لقصاصات صغيرة من ذلكم المنحنى الطويل الذي تشكلت انحناءاته وفق مجموعة من “أخطاء التنبؤ” التي كنا قد مررنا بها وذقنا مراراتها. وهكذا يعيد الدماغ بناء قناعاته ببطء، يرمم أفكارًا قديمة، ويصنع فهمًا أعمق للحياة. تمامًا كما بدأت مشوارك في تعلم قيادة السيارة، وفن التعامل مع الناس، ومهارة حلحلة المواقف الصعبة. كل براعة اكتسبتها كانت قد مرّت وتبلورت وانصقلت من خلال هذه المعادلة الصفرية “الفرق بين التوقع والواقع”، وكل نضج نمى فيك كان قد تبرعم أصلًا عندما اصطدمت صورتك الداخلية وتهشمت على سندان الحقيقة الخارجية. مع أنها عملية صامتة لكن تأثيرها كبير، فهي التي تشكل شخصيتك، وتوسع نظرتك للحياة، وتعمق فهمك للكون، وتروض ترتيب العلاقة بين جموح الدماغ وجدران الحقيقة.

بالمقابل، عندما يتطابق ما توقعته مع ما حدث فعلًا، تحصل الطمأنينة في النفس. يهدأ الجسد، ترتخي أعصابك، وتنساب داخلك حالة ملحّة من السعادة والرضا، كأنما وضعت رأسك على وسادة مخملية. ويكأن اليوم أصبح رائعًا فجأة، ولكأن الناس أضحوا مثاليين، وكل هذا فقط لأنها لحظة جاء فيها الواقع مطابقًا لما توقعت مسبقًا على غير العادة! هذه الومضة القصيرة، ولربما غير الملحوظة، هي سر شعورك بالراحة والسعادة الذي يختلجك أحيانًا دونما معرفة السبب.

لكن الحياة لا تنساب وردية دائمًا كما نحب ونتوقع. أحيانًا يأتي الحدث مختلفًا، مغايرًا، معاندًا، وبالضد من رغباتنا. فإذا بالنبرة التي ظننتها لطيفة داهمتك بشكل قاسٍ، والموقف الذي توقعت أن يمر بسهولة جعلك تتصبب عرقًا، والشخص الذي انتظرت منه أن يتفهم موقفك فإذا به يفاجئك باللامبالاة، والخطة التي رسمتها وتجهزت لها هاهي تتهدم وتتبعثر أدراج الرياح بسبب ثمة ظرف طارئ لم يكن قد أُخذ في الحسبان.

هنا يبدأ الاضطراب الداخلي. والسبب يعود لحالة اللخبطة والاختلاف وعدم الموافقة بين ما بناه الدماغ في أعماقه “كتوقع” وبين ما تفاجأ به “كواقع”، ولسان حاله يقول: “هذه ليست الصورة التي صنعتها وحلمت بها”.

إن عدم الانسجام وفقدان التطابق بين التوقع والواقع هو الشرارة التي تتولد منها أغلب مشاعرنا: كالقلق، والغضب، والإحباط، والدهشة، والتوتر. هذه الفجوة (gap) بين الصورة التي نريدها في قبالة صورة الواقع المعاش هي ما يؤرق مضجعنا، وكلما كان الفارق أكبر كانت الصدمة أقوى. كلمة حيث يجب الصمت، أو سكوت عن نصرة مظلوم، قد تهز توازنك وتختبر صبرك لأنها جمحت بعيدًا عن أفق توقعاتك.

ومع أننا في لحظة عدم انسجام التوقع مع الواقع قد ينتابنا شعور سلبي بالأذى والانزعاج والإحباط، إلا أنه يمكننا تدريب أنفسنا على تقبل عدم الانسجام هذا بتمرين بسيط: كالتنفس قبل الرد، أو تأجيل الحكم، أو إعادة التفكير في سبب الإزعاج. ومع الوقت يصبح الدماغ أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على تقبل الفوارق، ويصبح الإنسان أرقّ، وأهدأ، وأكثر واقعية دون أن يفقد لطفه وأحلامه.

لذلك نحن ندعوك أخي القارئ وأختي القارئة إلى تقبل عدم الانسجام لأنه متوقع، ولاغتنام تلكم الفرص فهي بمثابة بوابات للنضج المعرفي والنمو الدماغي والثراء العقلي، كما أنها بالطبع مدخل لاكتساب الخبرة الحياتية وتنمية الذكاء العاطفي وتجسير التواصل المجتمعي. عندما تراجع حياتك السابقة ستدرك أنك قد تعلمت الكثير عندما لم يتطابق الواقع مع ما قد تمنيت وتوقعت. تعلمت أهمية مراجعة النفس بدلًا من الانجرار وراء تبعات الغضب، وأن الجروح سوف تقوي فيك ملكة الصبر والمواجهة، وأن الكون أوسع بكثير (بكثير جدًا) من تصوراتك الآنية الضيقة. لعلك تسلّم الآن بأن الانكسارات التي تمرّ على قلبك إنما هي محطات ابتلاء واختبار، فاغتنمها لترتفع بها درجتك عند الله (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

مهلًا، هل استوقفتك هذه الآية الكريمة: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ)؟ فمن خلالها ينفتح لك باب واسع من التسليم والطمأنينة والرضا بقضاء الله وقدره. وكما روي عن أمير المؤمنين (ع): “العاقل من اتعظ بغيره”. فالتجربة التي يمر بها الآخرون في مضمونها ما هي إلا موقف لم يتجانس مع الصورة التي أرادوها. بذلك اكتشفنا أن هاتيكم التجارب قد تمخضت عن دروس وحكمة ونور لم يكن ليبزغ فجره لو أن كل النتائج كانت قد أتت مطابقة لما نحب ونتوقع ونأمل.

يبقى السؤال الملحّ: هل ظهور الإمام صلوات الله عليه من التوقع أم من الواقع؟ نقول بضرس قاطع لا يقبل الشك ولا الريب: بل هو من التوقع الواقعي الحتمي النافذ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا). وهذا يقودنا بدوره لتساؤل أشد إلحاحًا: لماذا إذن لم يظهر بعد؟ ما الذي يؤخر ظهوره؟ جواب العلماء حفظهم الله وسدد خطاهم على عدة أوجه، يهمّنا ذكر أحدها وهو أعمال العباد. بمعنى أشمل: إن سبب التأخير هو أنا وأنت وكل فرد فينا؛ أعمالنا السيئة هي ما يؤخر الظهور.

وبناءً عليه، فلتعجيل الفرج يجب علينا إصلاح أنفسنا من الداخل أولًا، وتقويم أعمالنا، وجعلها متطابقة متماشية وانعكاسًا لما يريده الإمام، بدلًا من ترقب أن يأتينا الإصلاح من الخارج في الوقت الذي نحن غير مستعدين له ولا مؤهلين لاستقباله. فإذا ما أصلحنا أنفسنا فردًا فردًا، بالنتيجة يصبح المجتمع صالحًا متهيئًا لاستضافة نور الله في الأرض وللحفاظ عليه (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ).