أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الصّبرُ على تحْدِيثات الحياة قُوّة

ليلى الزاهر · القطيف اليومالإثنين 24 نوفمبر 2025، 5:06 م
الصّبرُ على تحْدِيثات الحياة قُوّة

اعتدنا أنْ نواسي أصحاب المُصاب بالتّحلّي بالصبر، والدّعاء لهم أيضًا بالصّبر .

ربما لانعلم أنّ الصّبر قوّة لا يُستهان بها وأنّه جرعة أملٍ تُعطي الحياة توهّجا بعد تلوّنها بكلّ الألوان الدّاكنة و المُخيفة.

ولا يقتصر الأمر على صبر الإنسان عند فقد الأهل الأحباب وإنما يمتد إلى أبعد من ذلك فهناك الصبر على ارتكاب الذّنوب والتّوقف عن المعصية بكل أنواعها عند الخوف من الله تعالى :

(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) (سورة الأعراف: 201)

أمّا الصّبر على تبدّل الأحوال فهو من أعلى مراتب الإيمان ولا يُلقّاها إلّا ذو حظ عظيم مثل أنبياء الله ورسله.

وإذا كانت الحاجة إلى النّاس تشعرنا بالذل والإهانة فإن الصّبر عند الاصطدام بهم خير للإنسان من دواعي الحاجة لهم؛ فالصّدمات التي يتفاجأ بها الإنسان في حياته وخاصّة من إخوته وأحبّته يؤجر عليها عند الله تعالى ، جاء في الحديث الشريف :
(المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ و يَصبِرُ على أذاهُمْ ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ و لا يَصبرُ على أذاهُمْ)

وماذا عن طالب العلم ؟!
قد تُحرم من لذة العيش وتُطيل السهر وتغض طرفك عن معظم مباهج الحياة أثناء الرحلة الدراسيّة الطويلة لكنك سوف تبتهج بحياة أفضل قد منحك إياها الصبر . فما أشرف الصّبر على تلقّي العلم كما يقول الإمام الشافعي:
ومن لم يذق مُرّ التعلّم ساعة
تجرع ذل الجهل طول حياتهِ.

وكلّ الأمور التي تحتاج للصبر تخلق إنسانًا جديدًا، يمكن إدراجه في قصّة جميلة، تحت عنوان متألّق وهو ( قبل وبعد).

ومن الملاحظ في السياق القرآنيّ ورود الصبر في أمور مختلفة؛ ومن أجمل المواضع التي استوقفتني هي الصبر على أداء الصلاة، يقول الله تعالى:

(وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى)‏(سورة طه: 132)
و"اصطبر” أقوى من “اصبر” في المعنى

“اصبر” تعني: تحمَّل واثبت.

أما “اصطبر” فهي صيغة مبالغة من الصبر، وتدل على:
زيادة الصبر ، والتّحمّل الشديد ،و الصبر المستمرّ بلا انقطاع، والصبر على المشقة فوق المعتاد وكلّها تصبُّ في أهمية الصلاة ومكانتها العظيمة عند الله تعالى .

فالصبر هو فن الأمل الذي يغلف القلب ويُحقق الانتصار لصاحبه ، وخير ما يمثل جمال الصبر هو قول الشاعر:
يا صابرًا قد ضاقَ صدرُ زمانِهِ
سيُفتَحُ البابُ الذي طالَ انغلاقُهْ
(فالحمدلله الذي جعل لنا في اﻻبتلاء أجر، وفي الوجع طهور، وفي الصبر بشارة، وفي وخز الشوكة ثواب)
وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أنّ حلاوة الإنجاز تُنسي مرارة الصبر إذ سرعان ما تجني ثمرة الصّبر بعد خوض التجارب المؤلمة فعرائس الفرح تظهر بعد السير على الأشواك المؤلمة.
إنّ تحديثات الحياة المختلفة تخلق طرقًا عديدة تجعل الإنسان يسير فيها وهو يتجرع مرارة الصبر فالحياة ليست كما يُخطط لها الإنسان أي أن ليس كلّ ما يتمناه الإنسان يدركه لذلك كان السّعي بأمل مفتاحا لكل الأمور العالقة بلا استثناء.

فالمعاناة مع المرض قد يطول أمدها ولكنها سوف تزول عندما يبلغ الإنسان مرحلة الشفاء النهائية وهذا هو معنى الصبر ، والأيامُ تقترض أيامًا ويتشكّل لك شعور ينطق بداخلك :
( إنّ غدا لناظره قريب ) فلا تبرح هذا المكان إلا بالصبر ، طاقتك تتجدد بالصبر ، لا تتماثل للشفاء إلا بالصبر، هذا هو معنى السعادة الحقيقية التي تخلقها طاقة الصبر.
والأيام التي تمرّ ثقالا و يتجاهل الإنسان قسوتها حتّى يستطيع أن يعيش بسلام هي التي تشكّل شخصيته وتُعمّق إدراكه فيصبح مزيجًا من الحكمة والأدب قد طهّرته آلام الحياة فاغتسل من همومه وآلامه وخلق له أجواء من الرضا والطمأنينة وسكون النفس عندئذ سيصل إلى مرتبة عليا ادخرها الله له يقول تعالى:
(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) ( سورة الزمر:10)

إنّنا نسمع دائما أنّ ( الصبر صبران) صبر على ماتكره ولك جائزة سماويّة تجنيها من خلاله ، وصبر على ما تُحب ولك جائزة دنيويّة تشعر بمتعتها ،وبين هذه وتلك تظهر العاقبة الحسنة محمودة الأثر .

يقول أحد الحكماء:

“الصبر قوتان: قوةٌ تحتمل ما تكره، وقوةٌ تترك ما تُحب، وبهما يشتدُّ عودُ الإنسان"
أخيرا، نحن جميعا منتظرون!!
والصبر ليس انتظار الفرجِ فحسب، بل هو الثّبات أمام الصّعاب، والمغريات حتّى يأتي الفرج .