الحرفة أمان من الفقر أم مهنة ليس للمضطرّ إلا ركوبها؟

يوم الأحد، ٣٠ تشرين الثاني/ نوفمبر، احتجتُ أن أشتري فأسًا أقطع به نخلة سمينة بعد أن عجزت المناشير. أنتم تعرفون أن قطع نخلة قطيفية سميكة مهمة لا يصلح لها إلا فأس جيد!
ذهبت إلى أول دكان. وجدت عنده فأسًا من صناعة إحدى الدول يشبه الفأر! بكم الفأس: خمسة وسبعون ريالًا! هل من فأس أقوى منه؟ لا ولكن يوجد حداد في سوق الحدادين عنده ما تريد! وأنا في الطريق وجدتُ فأسًا آخر. بكم الفأس؟ مائة وعشرون ريالًا! أفضل من الفأر بقليل! قلت إذن أذهب إلى سوق الحدادين!
كنت أظنّ أنني سوف أجد عاملًا أجنبيًّا في سوق الحدادين لكنني وجدت رجلًا من القطيف يعمل في الدكان. هل تصنع فأس؟ نعم، عندي ما تريد! هاته لنرى. كان فأسًا محترمًا من الحديد الصلب. بكم الفأس؟ ستون ريالًا! خذه ولك ضمان سنتين! هذه غنيمة قيمة، بضاعة أجود وسعر أقل! اشتريت الفأس وأخذت أبحث في الدكان عن أشياء أخرى لعلي أشتريها ووعدته أن أزوره إذا احتجتُ شيئًا آخر.
كانت أخلاق الرجل طيبة فقلت أسأله بعض الأسئلة:
كم سنة تعمل في هذه المهنة؟ الحدادة؟ ثلاثون سنة أو هكذا!
هل يمكنك أن تعيش منها؟ الحمد لله، الخير كثير!
أنا لا أظن أن الرجل - الحداد - لديه سيارة ماركة ألمانية من أحدث طراز ولا دارًا فخمة على شاطئ البحر ولا يأخذ إجازة الصيف في باريس لكنه على ما يبدو مكتفيًا من الوظيفة. رحم الله الحدادين في جزيرة تاروت. رأيتهم يعملون في تعب لكنها كانت مهنة شريفة هم يعتاشون منها ويحتاجها الناس.
يستطيع الله سبحانه وتعالى أن ينزل على نبي الله داوود عليه السلام ذهبًا وفضة لكنه سبحانه وتعالى قال: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ}. يقول المفسرون أن الصنعة تعني الدرع التي لها صفة الحفظ في الحروب.
قبل سنوات كلّ المهن الصناعية والحرف اليدوية كان يعمل بها أهل البلاد؛ الحدادة، النجارة، ميكانيكا، البناء، حرف الصيد، الزراعة، عدّ ما شئتَ من مهن كان أهل البلد يعملون فيها ويتقنونها. الآن قليل جدًّا من الشباب يعملون في مثل هذه المهن! يرفض الكثير العمل في الأعمال المهنية!
أعرف شبابًا دون عمل أو يعملون في وظائف ليست ذات دخل مرتفع وليست دائمة لكن لا أتخيل أن أحدًا منهم يخطر في باله أن يعمل حرفيًّا أو فنيًّا، وإن بقي مدة طويلة يبحث عن وظيفة! المجتمع لا يشجع الحرفيّ فماذا لو أراد حرفي أن يتزوج؟ أول رد سوف يكون: أنت رجل طيب لكن ليس لديك وظيفة، نأسف للرفض!
الحرفة ليست عدوة للتعليم والشهادة ومن المحتمل أن صاحب الشهادة، المتعلم، يعمل في مهنة أو حرفة أفضل من الوظيفة ولا يبقى أسير انتظار الوظيفة! تعلّم بما فيه الكفاية وإذا كان لديك مهارة العمل باليد طورها ولا تهملها فإنك قد تجد فيها أكثر من الخبز!
اعمل ولا تخجل. في العمل رزق وأجر وثواب وعزة وكرامة.



