المقام الأرقى

إن النفس إذا رامت ارتقاء في درجات الفضائل، كان لزاماً عليها أن تتحلى بمنظومة من القيم، تتفاضل في منابعها وتتكامل في غاياتها. وتتجلى هذه المنظومة في أربعة أصول: اثنان منها يعبران عن النبل الذاتي وكمال الخُلق (المروءة والوفاء)، واثنان يشكلان الوازع التشريعي الإيماني (الرغبة والرهبة).وسنبين كيف أن السلوك المبني على شرف الطبع غير المشروط هو أرفع درجة وأكمل حالاً من تلك التي تنبع من توقع المنال أو خشية النكال.أولا المروءة: كمال الرجولة وحِراسة الفضائل المروءة هي الغاية القصوى من كمال الرجولة ومُنتهى الإنسانية؛ وهي قوة باطنة وسجية تدفع صاحبها إلى الإتيان بالمحاسن، واجتناب كل قبيح وشائن، ولو انعدم الرقيب أو غاب الحاكم. هذا الدافع ذاتي محض لا يرتبط بانتظار ثواب أو خشية عقاب.لقد جَلا لنا المفسرون في سرد قصة يوسف عليه السلام منزلة الحياء الذي هو ركن المروءة الأقوم، وذلك في فعل زليخا عندما عمدت إلى صنم أعجم في حجرتها فألقت عليه رداء تستره به. وحين سألها يوسف عليه السلام عن سبب فعلها، أجابت بأنها تستحي منه. فإذا كانت قد استحت من حجر لا يسمع ولا يبصر، فحَرِيٌّ بالإنسان العاقل أن يستحي من رقابة العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية.كما تتجسد المروءة في أبهى صورها في قصة صاحب الحصان العربي الأصيل، الذي لم يكن همه استرداد ملكه المنهوب بالاحتيال، بل كان جُل خوفه أن يُعلن اللص عن حيلته، فتنقطع المروءة عن مساعدة المساكين، ويتحجر العطاء في صدور الناس خشية الخداع.فهذا الإيثار لفضيلة المساعدة على عين المال هو لُباب المروءة.ولقد أجاد السموأل في التعبير عن هذه المنزلة عندما قال في مطلع لاميته: إِذَا المَرءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرتَدِيهِ جَمِيلُفجمال المرء الحقيقي كامن في طهارة عِرضه من دنس اللؤم والدناءة، لا في زُخرف مظهره. ثانيا الوفاء: أصالة الطبع والميثاق غير المكتوب الوفاء هو أصالة الأخلاق، وثبات على العهد، وصدق في المعاملة، وهو قيمة تُزهر بها القلوب وتستنير بها المجتمعات. والوفاء شقيق المروءة؛ إذ هو التزام داخلي بالعهد لا يتطلب سنداً مادياً.لقد عده العرب في حياتهم سنة عظيمة، بل اعتبروه في شدة الحاجة أهم من بَرد الماء، إشارة إلى قيمته السامية التي لا تعادل بثمن.ولقد كان الوفاء بالعهود في سالف العصور هو الركيزة التي يقوم عليها التعاون والائتمان بين الأفراد، فكان بمنزلة العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي يعلو على مقتضيات القوانين المادية صرامة.ثالثا الرغبة والرهبة: الوازع الإيماني المُتسامي تُمثل الرغبة والرهبة البُعد التشريعي والوازع الديني الذي لا يحتاج إلى حاكم أو عسس؛ إذ هو أساس إيماني عميق يدفع العبد إلى الخير ويزجره عن الشر. وعلى جلالة هذا الدافع، فإنه يظل مرتبطاً بـ المنال أو النكال، لذا كان أدنى مرتبة من السلوك النابع من النبل الذاتي المجرد.لقد جَلا النص القرآني هذه الدوافع المزدوجة في وصفه للصالحين، فهم يسارعون في الطاعات بينابيع إلهية قال عز اسمه:(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) فـالرغبة هي الطمع في ثواب الله وجنته، والرهبة هي الخوف من عذابه وناره. وتتأكد هذه الثنائية في مشهد قيام الليل للمؤمنين حيث قال عز من قائل:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) مقام الإحسان الأكمل: وعلى عُلُوِّ هذا المقام، يبقى مقامُ الإحسانِ هو الذروة التي تتجرد عن المشروطية؛ فالحب الإلهي يجعل الطاعة غاية في ذاتها لا وسيلة للمنال أو النجاة. وفي هذا المعنى جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام فيما يُروى عنه:"ماعبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك."وهذا القول يُثبت أن مقام المروءة والوفاء (العبادة لأجل الأهلية الذاتية) هو أعلى مراتب السلوك البشري. رابعا تفوُّق الأخلاق على القانون: الارتقاء بالذاتيِّ المُطلقِ.الخلاصة المستقرة في هذا الباب هي أن الاهتمام بِمَكارِمِ الأخلاقِ (المروءة والوفاء) هو مرتبة تفوق مرتبة الانضباط بحدود القانون ومرتبة الدوافع المشروطة (الرغبة والرهبة). لقد وقع مجتمعنا في آفة العصر، حيث غَدَت اللغة السائدة هي السؤال عن الحد الأدنى: "هل هذا مُباح لي قانوناً أم لا؟" وهذا التركيز على أدنى قدر من الالتزام يعكس هَوان الوازع الداخلي.إن مكارم الأخلاق هي الحاجز الداخلي المنيع الذي يمنع الفرد من فعل القبيح حتى في عزلة تامة وغياب كامل للرقيب، فالتحلي بها هو دعوة للنفس إلى الارتقاء والتسامي، والمقاومة لهذا "السيل الجارف" الذي يهدف إلى محو كل فضيلة؛ ولئلا يكون المرء ضعيف النفس يكتفي بقوام العيش الأدنى عليه تنمية مكارم الأخلاق والتحلي بها.إن النفس إذا رامت ارتقاء في درجات الفضائل، كان لزاماً عليها أن تتحلى بمنظومة من القيم، تتفاضل في منابعها وتتكامل في غاياتها. وتتجلى هذه المنظومة في أربعة أصول: اثنان منها يعبران عن النبل الذاتي وكمال الخُلق (المروءة والوفاء)، واثنان يشكلان الوازع التشريعي الإيماني (الرغبة والرهبة).وسنبين كيف أن السلوك المبني على شرف الطبع غير المشروط هو أرفع درجة وأكمل حالاً من تلك التي تنبع من توقع المنال أو خشية النكال.أولا المروءة: كمال الرجولة وحِراسة الفضائل المروءة هي الغاية القصوى من كمال الرجولة ومُنتهى الإنسانية؛ وهي قوة باطنة وسجية تدفع صاحبها إلى الإتيان بالمحاسن، واجتناب كل قبيح وشائن، ولو انعدم الرقيب أو غاب الحاكم. هذا الدافع ذاتي محض لا يرتبط بانتظار ثواب أو خشية عقاب.لقد جَلا لنا المفسرون في سرد قصة يوسف عليه السلام منزلة الحياء الذي هو ركن المروءة الأقوم، وذلك في فعل زليخا عندما عمدت إلى صنم أعجم في حجرتها فألقت عليه رداء تستره به. وحين سألها يوسف عليه السلام عن سبب فعلها، أجابت بأنها تستحي منه. فإذا كانت قد استحت من حجر لا يسمع ولا يبصر، فحَرِيٌّ بالإنسان العاقل أن يستحي من رقابة العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية.كما تتجسد المروءة في أبهى صورها في قصة صاحب الحصان العربي الأصيل، الذي لم يكن همه استرداد ملكه المنهوب بالاحتيال، بل كان جُل خوفه أن يُعلن اللص عن حيلته، فتنقطع المروءة عن مساعدة المساكين، ويتحجر العطاء في صدور الناس خشية الخداع.فهذا الإيثار لفضيلة المساعدة على عين المال هو لُباب المروءة.ولقد أجاد السموأل في التعبير عن هذه المنزلة عندما قال في مطلع لاميته: إِذَا المَرءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرتَدِيهِ جَمِيلُفجمال المرء الحقيقي كامن في طهارة عِرضه من دنس اللؤم والدناءة، لا في زُخرف مظهره. ثانيا الوفاء: أصالة الطبع والميثاق غير المكتوب الوفاء هو أصالة الأخلاق، وثبات على العهد، وصدق في المعاملة، وهو قيمة تُزهر بها القلوب وتستنير بها المجتمعات. والوفاء شقيق المروءة؛ إذ هو التزام داخلي بالعهد لا يتطلب سنداً مادياً.لقد عده العرب في حياتهم سنة عظيمة، بل اعتبروه في شدة الحاجة أهم من بَرد الماء، إشارة إلى قيمته السامية التي لا تعادل بثمن.ولقد كان الوفاء بالعهود في سالف العصور هو الركيزة التي يقوم عليها التعاون والائتمان بين الأفراد، فكان بمنزلة العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي يعلو على مقتضيات القوانين المادية صرامة.ثالثا الرغبة والرهبة: الوازع الإيماني المُتسامي تُمثل الرغبة والرهبة البُعد التشريعي والوازع الديني الذي لا يحتاج إلى حاكم أو عسس؛ إذ هو أساس إيماني عميق يدفع العبد إلى الخير ويزجره عن الشر. وعلى جلالة هذا الدافع، فإنه يظل مرتبطاً بـ المنال أو النكال، لذا كان أدنى مرتبة من السلوك النابع من النبل الذاتي المجرد.لقد جَلا النص القرآني هذه الدوافع المزدوجة في وصفه للصالحين، فهم يسارعون في الطاعات بينابيع إلهية قال عز اسمه:(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) فـالرغبة هي الطمع في ثواب الله وجنته، والرهبة هي الخوف من عذابه وناره. وتتأكد هذه الثنائية في مشهد قيام الليل للمؤمنين حيث قال عز من قائل:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) مقام الإحسان الأكمل: وعلى عُلُوِّ هذا المقام، يبقى مقامُ الإحسانِ هو الذروة التي تتجرد عن المشروطية؛ فالحب الإلهي يجعل الطاعة غاية في ذاتها لا وسيلة للمنال أو النجاة. وفي هذا المعنى جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام فيما يُروى عنه:"ماعبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك."وهذا القول يُثبت أن مقام المروءة والوفاء (العبادة لأجل الأهلية الذاتية) هو أعلى مراتب السلوك البشري. رابعا تفوُّق الأخلاق على القانون: الارتقاء بالذاتيِّ المُطلقِ.الخلاصة المستقرة في هذا الباب هي أن الاهتمام بِمَكارِمِ الأخلاقِ (المروءة والوفاء) هو مرتبة تفوق مرتبة الانضباط بحدود القانون ومرتبة الدوافع المشروطة (الرغبة والرهبة). لقد وقع مجتمعنا في آفة العصر، حيث غَدَت اللغة السائدة هي السؤال عن الحد الأدنى: "هل هذا مُباح لي قانوناً أم لا؟" وهذا التركيز على أدنى قدر من الالتزام يعكس هَوان الوازع الداخلي.إن مكارم الأخلاق هي الحاجز الداخلي المنيع الذي يمنع الفرد من فعل القبيح حتى في عزلة تامة وغياب كامل للرقيب، فالتحلي بها هو دعوة للنفس إلى الارتقاء والتسامي، والمقاومة لهذا "السيل الجارف" الذي يهدف إلى محو كل فضيلة؛ ولئلا يكون المرء ضعيف النفس يكتفي بقوام العيش الأدنى عليه تنمية مكارم الأخلاق والتحلي بها.
والحمد لله رب العالمين،
والحمد لله رب العالمين،



