ما أعظمها من نعمة! وليت الغرب يستفيد من قيمنا

استوقفني تقرير عابر يتحدث عن عدد الوفيات لأشخاص يموتون في بيوتهم ولا يُعلم بهم إلا بعد فترة من تحلل أجسادهم، ولهم أبناء لا يعلمون بهم، وربما علموا ولكن لا يتجهون لبرّ من بقي منهم. وليت هذا التقرير كان في دول أوربية — وهو يحدث — ولكن أن يكون في دولة يتعلم أبناؤها الأمانة والانضباط، فهذا مما لم أتصوره، خصوصًا لدولة يعد أبناؤها أكثر أبناء العالم انضباطًا، وهي اليابان، حيث يشير التقرير إلى أن 30 ألفًا يموتون سنويًا في بيوتهم وتتحلل أجسادهم ولا يُعلم بهم إلا بعد فترات طويلة جدًا، أشهرًا وأكثر.
هذه الظاهرة التي تُسمى كودوكوشي kodokush منتشرة في اليابان، وليست حدثًا جديدًا، حيث تشير بعض المصادر إلى وجودها منذ الثمانينيات. وذكرت إحدى القنوات الإعلامية تقريرًا يفيد بحدوث 22 ألف حالة للربع الأول من عام 2024م، ويتوقع أن يصل العدد إلى 78 ألف حالة بنهاية العام ذاته.
وتتفوق أمريكا بضعف الرقم، حيث يبلغ سنويًا 100–150 ألف حالة، والذي يسمونه بـ”الموت الوحيد أو غير المطالب بهم”، فيما تزداد نسبة العزلة الاجتماعية في بريطانيا إلى قرابة 4 ملايين شخص، وإن كانت نسبة الموت الوحيد تقارب 9 آلاف حالة.
ليس مجرد الحدث بغريب في حدوثه — فهو يحدث في كل العالم — ولكن بصورة نادرة جدًا. إنما الغريب هو حجم العدد واستمراره، وقد يكون لغياب التوجيه الاجتماعي لتقليله كما في اليابان، مما يعد أمرًا مثيرًا. ومن أسبابه: حالة العزلة الأسرية والاجتماعية، وعدم شعور الأبناء بحاجة آبائهم، وهي تمثل الصورة الدنيا من الإنسانية حينما يتبجح بعض المراقبين بحقوق الإنسان في التعاطف مع إنسان ضعيف ينقطع به الطريق أو يعينه شخص حين سقوطه، بينما تجف عواطف مجتمع عن صنع وتقوية أواصر العلاقة الأبوية وتمتينها.
وهي تمثل أعلى المُثل الإلهية بعد توحيد الله، ولعل التعبير القرآني بلفظة قضى ربك يمثل أعلى درجات الالتزام بهذه الأوامر الربانية العظيمة، حيث أشرك معنى القضاء (وهو الأمر والحكم الثابت) بخصوص توحيد عبادته والإحسان إلى الوالدين:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
ثم يثني على الإحسان بعدم إثارة مشاعرهما ولو بلفظة أفّ في شيخوختهما، وهي المرحلة الحرجة التي يغلب ابتعاد الأبناء فيها عن خدمة آبائهم.
كل المجتمعات البشرية يعيش فيها الإنسان بحثًا عن لقمة العيش والحياة الرغيدة، فيقطن بلدًا غير بلد أهله، وقد يتغرب في أماكن بعيدة وينشغل بأسرته، ولعل قنوات التواصل تكون عونًا لمتابعة أحوالهم، وهو أمر جيد. ولكن المطلوب هو البرّ بهما، والاستفسار عن أحوالهما، وزيارتهما، ومؤانستهما، والقيام بخدمتهما حينما يستدعي ذلك. وهو أمر صعب لكنه واجب شرعي وإنساني، وإلا فلن نكون بعيدين عن حالات مثل تلك التي تحدث، وإن لم تكن بذلك المستوى، لكنها ممكنة الحدوث.
ولعل ما استثارني تعليل بعض المحللين لانتشار هذه الظاهرة بتكلفة الجنازة ودفنها، وهذا يجرني إلى قراءة أحكام الله الإسلامية التي تنص على وجوب إكرام الميت وتغسيله والصلاة عليه ودفنه، وإن غاب أهله وجب على المسلمين كافة القيام بذلك.
أختصر هذه الرحلة المثيرة بكلام الله سبحانه:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
فما أجمله من دين، وما أعظمه من تقدير وتعظيم إلهي للإنسان. ونحن بحاجة إلى المحافظة على هذه النعمة وتثبيتها، مع تناثر الأهواء وابتعاد الناس عن بعضهم بعضًا، ليكون التكافل الاجتماعي والترابط والتعاون هو الصورة الحقيقية للمجتمع الذي نعيش فيه.



