من الأنمي إلى لجام الحصان الأبيض… زهرة آل درويش تستعيد حضورها التشكيلي بلغة تجمع الذاكرة والقوة

تُواصل الفنانة التشكيلية زهرة سعيد آل درويش، ابنة جزيرة تاروت، بناء تجربتها الفنية بهدوءٍ وعمق، مستندة إلى مسار طويل بدأ من الطفولة مع الرسم بالقلم والرصاص، وتحوّل تدريجيًا إلى لغة بصرية متنوّعة تجمع بين الأنمي، والبورتريه، والتجريب بخامات الأكريليك، وصولًا إلى حضورها الأخير في المعارض الجماعية، معلنة عودة ناضجة للساحة التشكيلية بعد انقطاع.
وتنطلق حكاية زهرة مع الرسم منذ سنوات مبكرة، حيث شكّل الشغف بالكرتون والأنمي بوابة الاكتشاف الأولى لموهبتها، قبل أن تُسجّل بدايتها الفعلية عام 2014 بالرسم بالرصاص، في مرحلة اتسمت بالبحث عن الخط والدقة والتكوين، ووضعت خلالها الأساس البنائي لأسلوبها الفني.
وتطورت تجربتها عام 2016 مع انتقالها إلى رسم الأنمي بالألوان الخشبية وأقلام الكوبك، متأثرة بذاكرة الطفولة البصرية المرتبطة بأعمال الرسوم المتحركة والألعاب، حيث بدا واضحًا ميلها إلى الشخصيات ذات البعد القصصي والتعبيري، وقدرتها على التقاط الانفعالات والملامح بتفاصيل دقيقة.
وخاضت الفنانة عام 2017 أولى تجاربها مع لوحات الأكريليك، متزامنة مع مشاركتها في عمل فني توعوي لمستشفى القطيف المركزي، تمثّل في رسم قصة بعنوان «حكايتي ومرض السكري» بمناسبة اليوم العالمي للسكري، في تجربة مبكرة ربطت فيها الفن بالرسالة المجتمعية.
وسجلت عام 2018 محطة مفصلية في مسيرتها، مع تنفيذ أول رسومات أنمي بخامة الأكريليك، وبدء تلقي طلبات فنية من خارج المملكة، وتحديدًا من الكويت، ما شكّل اعترافًا خارجيًا بقدرتها التقنية وحسّها التعبيري.
وتراكمت إنجازاتها عام 2019 خلال زيارتها لمعرض «جيمز كوم» في الخبر، حيث حظيت أعمالها بتوقيعات شخصيات مؤثرة في عالم الأنمي والألعاب، من بينهم طارق ومحمد عربي طرقان، ووحيد جلال، وسامي كلارك، والممثل كوينتون فلين، فيما نالت إحدى رسوماتها الخاصة بوالد طارق، شهرة لافتة بين محبّي أعماله، بعد طلبها وتنفيذها خصيصًا.
وحضرت زهرة في عام 2022 بمشاركة فنية في مهرجان العلوم ليوم الطفل العالمي بحلة محيش، من خلال ركن خاص عرضت فيه مجموعة من لوحاتها ورسوماتها، لتُكتب عنها أول مادة صحفية عبر صحيفة «القطيف اليوم»، موثّقة مرحلة جديدة من انفتاح تجربتها على الجمهور المحلي.
وأنجزت عام 2023 أول طلبية بورتريه منفّذة بخامة الأكريليك، في انتقال واضح من عالم الشخصيات المتخيّلة إلى ملامسة الوجوه الإنسانية الواقعية، مع محافظة على الحس التعبيري والاهتمام بالتفاصيل الضوئية والملمس.
وتوجت عودتها الفنية عام 2025 بمشاركتها الأولى مع جماعة الفن التشكيلي بالقطيف في المعرض الجماعي «نبض»، من خلال عملها «لجام الحصان الأبيض»، المنفّذ بالأكريليك، والذي مثّل تحوّلًا لافتًا في لغتها البصرية، وانتقالًا من رمزية الشخصيات إلى رمز الحصان بوصفه تجسيدًا للنبل والاتزان والقوة الهادئة.
ويبرز في هذا العمل تعاملها المتقن مع الضوء والظل، والعناية الدقيقة بالتشريح والملمس، ضمن تكوين يوازن بين السكون والحضور الطاغي، ويكشف نضجًا فنيًا يعكس تراكم التجربة لا القطيعة معها، في قراءة بصرية تجمع بين الواقعية التعبيرية والبعد التأملي.
وتتنوّع أعمال زهرة بين الأنمي، والبورتريه، واللوحات الرمزية، مع حفاظها على خط واضح يتمثل في احترام القصة الكامنة خلف الشكل، سواء كانت شخصية كرتونية، أو وجهًا إنسانيًا، أو كائنًا رمزيًا كالحصان، ما يمنح تجربتها هوية مرنة وغير منغلقة.
وتحظى بعض أعمالها باقتناء مدارس المرحلة الابتدائية والمتوسطة الأولى في تاروت، حيث حققت خلال سنوات دراستها المركز الأول في مادة الرسم، في دلالة مبكرة على موهبتها وتميّزها داخل البيئة التعليمية.
وتعود زهرة سعيد آل درويش اليوم إلى المشهد التشكيلي بثقة وهدوء، مستندة إلى ذاكرة فنية طويلة، وتجربة متراكمة، ورغبة في الاستمرار، مؤكدة أن العودة لا تعني البدء من جديد، بل استكمال مسارٍ تأجّل، ونضج، ليعود أكثر عمقًا واتزانًا.





