أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

البندول

حسين المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 30 ديسمبر 2025، 11:08 ص
البندول

طرحت على زميل ذاتَ يومٍ سؤالًا ظننته بسيطًا، فإذا به ينقدح بداخلي باب واسع من التمعن بسبب اجابته. بادرته, لو كنتَ في مسجد النبي صلى الله عليه واله، وعرض لك ألمُ في رأسك، وفي جيبك حبّة بندول، أتتوسّل فتشربها، أم تأخذها وانت ترجوا الشفاء من الله ببركات النبي صلى الله عليه واله, أم ماذا؟

باغتني بإجابه صاعقة بالنسبة لي، بجملة قصيرة، حادّة، وبلا تردّد, آخذها ولا أتوسل!!!

تأملت طويلًا عند هذه العبارة التي تكشف عن ازمة في فهم معنى ومغزى وفائدة التوسل. فهي مع ما حوته من غاية الجرأة على مقام النبي ص وعلى أهل بيته الكرام عليهم السلام، كانت ايضا بمنتهى الكشف والفضح عن البندول (ثقل معلق يتأرجح) الخفيّ الذي يتذبذب في داخلنا. بندول أزمة الفهم والوعي والادراك للخيط الرفيع بين السبب والمسبّب، بين الأخذ بالأسباب والتعلّق بها، بين اهمية التوكل الحقيقي على الله مع اخذ التوسل طريقا اليه, وبين التواكل المتلبّس بثوب الورع, بين المتقنع بالجهل القاصر والمقصر والجهل المركب, وبين الافتقار لأدنى استيعاب حقيقي لأهمية اخذ النبي ص وسيلة في قبول جميع اعمالنا.

لا يخفى على القارئ العزيز والقارئة العزيزة ان "البندول" في الفيزياء جسمٌ صغير، ذا حركة محكومة بقانون صارم. يتأرجح يمينًا ويسارًا، لم يحد عن مساره يوما، ولا ادّعى أنه صاحب قرار. لا يمتلك قوة من ذات نفسه، سر قوته يكمن في طبيعة ومدى التزامه بالنظام المتأرجح الذي أودعه الله فيه. كذلك نحن في قضية الاخذ بالأسباب؛ من دواء، وعمل، وتخطيط، فهذه كلّها امثلة حية واقعية لبندولات تتحرّك فينا ومعنا وبمعيتنا ضمن إطار سنن الله في الكون. لم نزعم ابدا انها تمتلك أي قدرة بذاتها من ذاتها على الشفاء او الرزق او تغيير القدر، لكنها تؤدّي دورها بدقّة, ضمن قانون السببية, والسنن الكونية الطبيعية.

حبّة البندول – هذا المسكّن الصغير – لا تملك ان تشفيك بذاتها في معزل عن إرادة الله وعلمه وحكمته. الحقيقة المتجلية هي ان الله سبحانه قد أودع فيها إمكانية وقدرة واحتمالية الشفاء المشروط والمرتهن لمشيئة الله وإمضاءه. فهو سبحانه الوحيد الذي يملك تفعيل هذه الامكانية, متى وكيفما شاء. نعم, ان الحبة مادة مخلوقة مطيعة وعبدة لله ذات أثر محدد ومحدود، جعل الله فيها خاصية تخفيف الألم, مع كون هذا التفعيل وذات التخفيف متعلق بمقدرة الله وتمكينه. على ضوء هذا الادراك, يتبدل السؤال من هل آخذها أم لا؟ الى ماهي عقيدتي وقلبي وتفكيري وتوجهي وحالتي وارتباطي الروحي بالله عز وجل, وهل قدمت النبي ص واهل بيته ع بين يدي الله واتخذتهم وسيلة للشفاء حال اخذي لتلكم الحبة (وإذا مرضت فهو يشفين)؟

هل كان اعتقادي في كينونة الحبة انها كانت هي الشافية بذاتها؟ أم اعتبرتها مجرّد أداة وسبب ووسيلة للشفاء الذي هو من الله وبيده وبمقدوره. عين اعتقادي في سببية الحبة هو نفسه يقيني في ان النبي ص سببا للشفاء بإذن الله سبحانه. الفارق الجوهري هو ان النبي ص سبب في وجود الكون بأسره بما في ذلك انا وانت والدواء. مع ان المطر يتكون تحت سبب وظرف طبيعي فيزيائي مدروس ومعلوم, الا انه لا يملك الا ان يجري على طبق سنن الله سبحانه وقوانينه. لابد ان نلتفت الى ان تقدير كيفية ومقدار وآنية تلبد السحاب في السماء، وحركته من بلد لاخر, وتحديد اين ومتى وكيف والى أي مدى ينزل المطر (وما ننزله الا بقدر معلوم), كل ذلك يجري بتقدير الله وارادته ورحمته (أأنتم انزلتموه من المزن ام نحن المنزلون)؟

التوسل الواعي يتكامل من كونه مجرد لقلقة لسان، ورفع كفّين قبل ابتلاع قرص دواء, الى حالة راقية من استحضار واقعي لمنزلتهم. هو استحضار للوعي والإدراك والخضوع لمنصب محمد واله والعرفان بمكانتهم والإقرار بفضلهم والتذلل لمقامهم والاستيعاب لمرتبتهم. قد تتوسل وأنت لم تنطق بعد، وبالمقابل قد تلهج بجميع أنواع الأدعية لكن فكرك لايزال ينصرف الى لون الحبة ورائحتها وطعمها. لم يحضر قلبك بعد, لم تعش حالة التبعية, الحاجة, الافتقار, الانقطاع, اللجوء, الالتجاء, المسكنة, الوحدة, الوحشة من غيرهم, الشوق والحنين إليهم, والغربة الممزوجة بالأنس بهم. وهنا مكمن الخلل.

بندول الفهم الحقيقي لمقام اهل البيت في قلوبنا, ذلك هو البندول الذي يستحق أن نراقبه.