منير الحجي… البحر ذاكرةً حيّة في «بصمة خليجية»

كتب الفنان التشكيلي منير الحجي من محافظة القطيف فصلاً بصريًا عن البحر بوصفه ذاكرةً خليجيةً مفتوحة في معرض «بصمة خليجية»، حيث حضر بمشروع تشكيلي يستعيد العلاقة العميقة بين الإنسان والماء، ويعيد قراءة التراث البحري لا كصورة جامدة من الماضي، بل ككائن حيّ ما زال يتنفّس في الوجدان الجمعي.
قدّم الحجي مجموعة من اللوحات التي تمحورت حول السفن الخشبية الخليجية، تلك التي شكّلت لعقود طويلة عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مدن الساحل، فظهرت في أعماله راسية على الشاطئ، أو متهادية فوق سطح الماء، أو منتظرة لحظة الإبحار، في مشاهد هادئة تستدعي التأمل أكثر مما تستدعي الحركة.
اعتمد في معالجته الفنية على أسلوب يقترب من الواقعية التعبيرية، حيث حافظ على وضوح الشكل وبنية السفينة، مقابل معالجة لونية غنية تمنح المشهد بعدًا شعوريًا، فتتحوّل السفن من أدوات عمل إلى رموز للانتظار، والصبر، والعلاقة الوجدانية بين البحّار وبحره.
وظّف الحجي تدرّجات الأزرق والفيروزي والبني الرملي في انسجام بصري يعكس صفاء الماء أحيانًا، وثقله في أحيان أخرى، بينما حضرت انعكاسات الضوء على سطح البحر كعنصر تشكيلي يمنح اللوحة حيوية داخل سكونها الظاهري، وكأن الزمن متوقف لحظة التقاط المشهد.
برز في عدد من الأعمال حضور السفن الراسية على السيف، بمراسيها وحبالها، في تكوينات توحي بالراحة بعد عناء الرحلة، أو بالترقّب قبل الإبحار، حيث لا يحدث شيء فعليًا في اللوحة، لكن كل شيء مهيأ للحدوث، في استعارة بصرية دقيقة لحياة الساحل الخليجي.
لم يتعامل منير الحجي مع البحر بوصفه خلفية للمشهد، بل بوصفه شخصية رئيسة في العمل، فالماء في لوحاته ليس مسطحًا لونيًا فقط، بل ذاكرةً، وحركةً خفية، وسجلًا غير مكتوب لحكايات الصيد والسفر والتجارة والهجرة.
امتدّت هذه الأعمال ضمن سلسلة فنية بدأها الفنان منذ عام 1991، وواصل تطويرها بصريًا وفكريًا، محافظًا على وفائه للموضوع البحري، مع تجديد مستمر في المعالجة اللونية والضوئية، ما منح مشاركته في «بصمة خليجية» بعدًا توثيقيًا وجماليًا في آن واحد.
انسجمت مشاركة منير الحجي مع روح المعرض الذي جمع تجارب خليجية متنوّعة، حيث مثّلت أعماله البعد البحري والذاكرة الساحلية، في مقابل حضور المرأة والهوية لدى أفراح الحساوي، والحرف والزخرفة لدى فايزة المسعود، والطبيعة التعبيرية لدى فضيلة عيادة، والنخلة بوصفها رمزًا لدى سعاد وخيك.
عكست هذه المشاركة حضور القطيف كمدينة ساحلية ذات عمق بصري وتاريخي، من خلال فنان اختار أن يحوّل البحر من مشهد مألوف إلى سرد بصري صامت، يضع المتلقي أمام ذاكرته الخاصة، ويترك له مساحة الإصغاء إلى ما تقوله السفن وهي ساكنة.
رسّخ منير الحجي في «بصمة خليجية» مكانته كفنان يملك لغة تشكيلية صادقة، قادرة على تحويل التراث البحري إلى تجربة بصرية هادئة، تُرى بالعين وتُستعاد بالقلب، وتؤكد أن البحر، مهما تغيّرت المدن، يبقى أحد أكثر الذاكرات الخليجية رسوخًا وصدقًا.
ويُذكر أن معرض «بصمة خليجية» افتُتح تحت رعاية رئيس نقابة الفنانين والإعلاميين بالكويت الدكتور نبيل الفيلكاوي، ويشارك فيه نخبة من الفنانين التشكيليين من السعودية والكويت، وهم: د. وليد سراب، منير الحجي، فضيلة عيادة، سعاد وخيك، فايزة المسعود، وأفراح الحساوي، ويحتضنه مقر نقابة الفنانين الكويتيين في جمعية الشرق، بحضور عدد من أعضاء النقابة والفنانين والمهتمين بالحركة التشكيلية، ويستمر المعرض حتى 15 يناير الجاري، في إطار فعالية فنية تعكس تنوّع التجارب والأساليب والمدارس التشكيلية الخليجية.



