أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

التوازن المالي للموظف

د. ماهر آل سيف · القطيف اليومالسبت 31 يناير 2026، 2:04 م
التوازن المالي للموظف

حين يتخرّج الإنسان ويُفتح له باب الوظيفة، ويأتي الراتبُ أول مرة؛ يشعر وكأن “الفرج” قد نزل في حسابه البنكي… فيمدّ يده يمينًا وشمالًا، ويُسرع لشراء ما تمنّاه طويلًا. وهذا في أصله ليس مذمومًا؛ فالنعمة تُفرِح، والله تعالى يقول: **﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾**… لكن الفرح شيء، وتركُ الميزان شيءٌ آخر.

إن أخطر ما يقع فيه بعض الموظفين ليس “الصرف” بذاته، بل **الصرف بلا توازن**؛ فيتحوّل الراتب من وسيلة استقرار إلى قسطٍ يطارد صاحبه، ومصاريف تتقدّم عليه، ثم تعجّبٍ متأخر: أين ذهب المال؟! والقرآن يضع القاعدة الذهبية بوضوح: **﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾**، لأن التبذير ليس حركة شراء فقط، بل سلوكُ انفلاتٍ من الحكمة، وسقوطٌ في فخ الاستعراض والاندفاع.

ويأتي الميزان القرآني أدقّ: **﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾**؛ لا حرمانٌ يُفسد النفس، ولا إسرافٌ يُفلسها… بل “قوام” يُقيم حياة الموظف على عقلٍ لا على رغبة.

ثم تقع “الطامة الكبرى” حين تتحوّل الرغبة إلى التزامٍ طويلٍ يُكبل الراتب: سيارة فاخرة بقسطٍ لخمس سنوات أو أكثر، يبتلع أكثر من 35% من الدخل… وكأن الموظف يوقّع عقدًا مع المستقبل دون أن يسأله إن كان موافقًا! وهنا يظهر السؤال الذي لا يحبّه المستعجلون: ماذا لو توقفت الوظيفة بعد سنة أو سنتين؟ ماذا لو تم الاستغناء عن خدماته؟ كيف سيُسدّد القسط؟ وكيف سيدفع الإيجار؟ وكيف سيحفظ كرامة البيت من سؤال الناس؟

الوعي المالي للموظف ليس “ترفًا”، بل صمام أمان. وهو يبدأ من قاعدة بسيطة لكنها حاسمة: **ادّخر ثم اصرف**… لا اصرف ثم أتمنى أن يتبقى. اجعل للادخار بندًا ثابتًا كالفاتورة، واسمح للكماليات أن تأتي بعد الضروريات، ولا تجعل القسط يأخذ منك أكثر مما تحتمل أعصابك قبل جيبك.

وفي عمق هذا كله، يعلّمنا القرآن أن الرزق ليس ضمانًا أبديًا لأسلوب حياة متضخم، بل أمانة تُدار بحكمة: **﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾**؛ فالاعتدال عبادة، والتوازن شكر، والتخطيط صدقةٌ على نفسك قبل أن يكون حسابًا في دفتر.

التوازن المالي للموظف ليس أن يمنع نفسه من كل جميل، بل أن يُحسن ترتيب الجميل: جميلٌ اليوم… وجميلٌ للغد. فمن جعل راتبه خادمًا لأهدافه عاش مطمئنًا، ومن جعله خادمًا لشهواته عاش أسيرًا… يشتري الفرح ساعة، ويقسط الهمّ سنوات.