أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

معنى الباء في آية (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)

السيد قصي الخباز · القطيف اليومالأحد 1 فبراير 2026، 1:03 م
معنى الباء في آية (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)

كنتُ قبل عدة أعوام كتبتُ عن معاني "الباء" وشواهدها في القرآن الكريم، واليوم ما زلتُ أعجبُ من تفتق العلم والتفريع على ما أدركته سابقاً.

لن أطيل عليك أيها القارئ؛ إن معاني الباء في القرآن الكريم استقصيتها إلى أربعة عشر معنى.

أحد هذه الوجوه هو المصاحبة أو المعية، والمراد أن تكون الباء بمعنى "مع".

قال عز اسمه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ)

لاحظ الباء هنا بمعنى مع، فيكون المعنى: جاءكم الرسول مصحوباً مع الحق.

وقال في آية أخرى:( وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)

فيكون المعنى مع الله شهيدا

أما المعنى الآخر الذي تحتمله الآية لغةً هو الملابسةكقوله عز وجل: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ)
أي متلبسًا ومتذرعًا بالسلام منا.

وكقوله تعالى: (وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ)

فيكون المعنى متلبسين بالكفر

والذي لفت انتباهي حديثًا في الآية الشريفة قوله عزّ من قائل: (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)

فما معنى الباء في هذه الآية هل هي للمصاحبة أم للملابسة؟

بعيدا عن التفسير الواقعي أو الظاهري في الآية الشريفة أود أن ألفت الانتباه إلى أن بحثنا لغوي وحيث أن الباء تحتمل المعنين أُجري لكم الآن الفرق بين الملابسة والمصاحبة في الآية مورد البحث وما يتفرع على ذلك من أحكام مع التسليم طبعًا بأن معنى القوة هو العزم والحزم على القيام بأمر الكتاب، وتسيم آخر أن القوة هي عطاء الله عز وجل ليحيى عليه السلام ولكافة الناس.

أولا: في القوة

تفسير الباء بالمصاحبة: يكون المعنى خُذ الكتاب وخُذ معه قوةً مصاحبة تمكنك من القيام بدوره في نفس الوقت، وعليه يمكن تصور قوة إضافية مع وقت الامر بالأخذ.

تفسير الباء بالملابسة: يكون الأمر وصفا لحاليحيى (عليه السلام) حين القيام بأمر الكتاب متلبساً ومتدرعاً بالحزم والعزم والجد، ولا يلزم أن يكون الله سبحانه أعطاه قوة إضافية وقت ما أمره أن يأخذ الكتاب كما لا يمتنع ذلك.

ثانيا: الفرق الزماني

هناك فرق آخر في الزمان بين أخذ الكتاب وبين القوة:

• المصاحبة: تأبى إلا أن يكون زمن إعطاء القوة مع زمن أخذ الكتاب.

• الملابسة: لا تأبى ذلك، فإنه يمكن أن يتدرع بالجد والعزم الذي وهبه الله له قبل الأمر بالأخذ بالكتاب.

هنا لا يفوتني التنويه إلى أن ثمَّ فرقاً جوهرياً بين القوة التي خاطب الله يحيى عليه السلام بها، وتلك المأمور بها بنو إسرائيل في قوله (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)

كما أن من الوضوح بمكان أنها ليست كقوة موسى عليه السلام فالأمر يتجاوز مجرد الحروف (ق، و، ة)،وكذلك لسنا بصدد بيان الفرق بين الأخذ والإيتاء، وبين قوة التكليف الفردي وقوة الالتزام الجماعي.

وهنا أقتبس من نهج البلاغة ما جاء به على عليه السلام في وصف القرآن وعظمته، حيث قال: (ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تُطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يُدرك قعره، ومنهاجاً لا يضل نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه، وفرقاناً لا يُخمد برهانه، وتبياناً لا تُهدم أركانه)

وقال أيضا عليه السلام: (ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه، ولا تُكشف الظلمات إلا به)

ختاماً أيها العزيز، أحببتُ أن أبيّن لك أمراً لغوياً كمتذوق للغة العربية ومتأمل عظمة القرآن الكريم، وإلا فإن في هذه الآية تفريعاً ومقارنة بآيات أخرى، كمعنى القوة هنا وفي قوله عز اسمه: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، وليس هو نفس المعنى ولا هي نفس القوة، ولا معنى قوة في آيات أخرى، وكثير من الفروق التي تتفرع على البحث لو أردنا الاستطراد.

هذا طبعاً بحث رؤية لغوية أقصد به الإشارة و التنبيه على العظمة التي تتميز بها مفردات القرآن الكريم فضلا عن معانيه على قدر إنائي الضيق أحببتُ أن أشارك القارئ العزيز ليدرك عظمة الآيات الشريفة بتلمس الإعجاز، وإلا فإنه لا بد من وجود مرجع يبين لنا المقصود من مراده عز وجل وأنت أيها القارئ لبيب نبيه تعرف الاقتران بين الكتاب العزيز وبين حامليه الذين هم قادرون على بيان معارفه.

والحمد لله رب العالمين.