القيادة ليست حكرًا… بل مسؤولية تُمنح بالكفاءة

لم تعد المناصب القيادية في الدول الحديثة تُمنح بوصفها امتيازًا اجتماعيًا أو موقعًا رمزيًا، بل أصبحت مسؤولية وطنية تُناط بمن يملك الكفاءة والقدرة على الإنجاز وحسن إدارة القرار. فالدولة التي تتطلع إلى المستقبل لا تبني مؤسساتها على اعتبارات ضيقة، بل على معيار واضح لا يحتمل التأويل: الجدارة. القيادة ليست مقعدًا يُحتكر، ولا مكانة تُورَّث، بل أمانة ثقيلة لا يحملها إلا من أثبت استحقاقه بالفعل قبل القول.
حين تتساوى الفرص أمام المواطنين، ويصبح التفاضل قائمًا على الاجتهاد والإنجاز، ينمو الشعور بالعدالة، ويترسخ الانتماء، وتتحول الطاقات الفردية إلى قوة وطنية تصنع الفارق. فالعدالة المؤسسية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة المجتمع على أن يرى أبناءه يتقدمون وفق كفاءاتهم، لا وفق خلفياتهم.
وفي المملكة العربية السعودية، تتجسد هذه الرؤية في النهج الذي يقوده سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حيث أصبح تمكين الكفاءات الوطنية ركيزة أساسية في مسار التحول، وأضحى معيار الاختيار مرتبطًا بالقدرة على الإضافة وتحمل المسؤولية. إن الاستثمار في الإنسان، وتوسيع دوائر الفرص، يعكسان إيمانًا راسخًا بأن رفاهية المواطن واستقرار الوطن لا يتحققان إلا عبر مؤسسات قوية يقودها الأكفأ.
غير أن ثمة سلوكًا اجتماعيًا يستحق المراجعة. فعندما يبرز أحد أبناء الوطن في منصب مرموق، يسارع البعض إلى نسب نجاحه إلى منطقته أو قبيلته أو خلفيته، وكأن الإنجاز ينتمي إلى جغرافيا بعينها لا إلى وطن كامل. هذا الفخر، وإن كان دافعه الاعتزاز، قد يتحول دون قصد إلى خطاب يقسم النجاح بدل أن يجمعه.
إن المجتمعات التي بلغت درجة متقدمة من الوعي لا تختزل نجاح أبنائها في حدود الجغرافيا، ولا تقسم الإنجازات وفق الخرائط والانتماءات. فالنجاح حين يُحاصر داخل إطار مناطقي يفقد جزءًا من قيمته، لأنه يتحول من مكسب وطني جامع إلى رمز محدود الدلالة. أما حين يُحتفى به بوصفه إنجازًا للوطن بأسره، فإنه يعمّق الانتماء المشترك، ويعزز الشعور بالشراكة، ويؤكد أن الهوية الوطنية الجامعة هي المظلة الكبرى التي نستظل بها جميعًا.
المسؤول في موقعه يمثل الوطن كله، ويُحاسب على أدائه تجاه جميع المواطنين بلا استثناء. والمنصب الوطني تكليف عام لا عنوان خاص. وحين نُحمّل صاحبه عبء تمثيل فئة أو منطقة، فإننا نضيّق أفق مسؤوليته، بينما الأصل أن يكون عمله موجهًا لخدمة الوطن بأسره.
الوطن الذي يفتح أبوابه لكل مجتهد هو وطن يثق بأبنائه جميعًا، ويمنحهم مساحة عادلة للتنافس الشريف. وبقدر ما نرتقي بخطابنا، ونُعلي قيمة الكفاءة فوق كل اعتبار، نحمي نسيجنا الوطني من أي تصنيف ضيق، ونرسخ قناعة بأن الإنجاز لا يكبر حين نختصره، بل يكبر حين نجعله ملكًا للجميع.
المناصب مسؤولية جامعة، والنجاحات الوطنية لا تحمل بطاقة تعريف مناطقية. وحين يكون الوطن أولًا في وعينا قبل أقوالنا، يصبح كل إنجاز فيه إنجازًا لنا.



