أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يسرق الزحام أعمارنا

سراج أبو السعود · القطيف اليومالجمعة 27 فبراير 2026، 1:55 م
حين يسرق الزحام أعمارنا

أعيش في مدينة مزدحمة. أستهلك ساعتين يوميًا في الطريق إلى عملي والعودة منه. ساعتان فقط، هكذا تبدو المسألة بسيطة. عشر ساعات أسبوعيًا. أربعون في الشهر. اثنتان وسبعون إذا أضفتُ أربع ساعات فراغ في كل يوم من الويكند. سبعمئة واثنتان وتسعون في السنة. سبعة آلاف وتسعمئة وعشرون ساعة في عشر سنوات. ٧٩٢٠ ساعة. ثم ماذا؟ ثم اكتشفت أن اللغة الإسبانية تحتاج نحو ٦٠٠ ساعة لتعلّمها. والفرنسية مثلها تقريبًا. أما الصينية واليابانية فقرابة ٤٠٠٠ ساعة لكلتيهما. وكثير من العلوم والفنون لها أرقام مشابهة، أرقام أصغر بكثير من ٧٩٢٠. بعملية حسابية بسيطة كان يمكنني أن أخرج من تلك السنوات بشيءٍ غير الزحام. لغة جديدة. علم جديد. فنّ أتقنه. لكنني -في لحظات الفراغ- كنت أستثمر جزءًا معتبرًا من هذا العمر في تحليل الظلم التحكيمي المتكرر ضد نادي الاتحاد وكأنما الظلم سيتوقف عنه. ولو رجّحتُ كفة الاستفادة على كفة التذمّر، لكنت اليوم الروائي العظيم: سراجڤيسكي، أو الفيزيائي النابغة: سراجشتاين، أو أحد إخوانهم الذين لا يضيعون سبعة آلاف ساعة في الطريق.

أبو العتاهية يقول:
ما أَحسَنَ الشُغلَ في تَدبيرِ مَنفَعَةٍ
أَهلُ الفَراغِ ذَوُو خَوضٍ وَإِرجافِ

بذلك أظن لو امتلك ابو العتاهية مثلنا جوال سمارت لرفع سرعة المحاضرة إلى 2x، واختصر الدرس إلى نصف الزمن، وقال: الوقت رأس المال، فلا تبعْه بالرخيص. لو كان أبو العتاهية هيومن رسورس منجر، لوجد أمامه دورات لا تنتهي: إدارة، تحليل، مهارات تفاوض، قيادة فرق. ولو كان مولعًا بالروايات الروسية، لوجد من دوستويفسكي وتولوستوي ما يكفيه عمرًا آخر. ولو آثر الآخرة على حطام الدنيا، لامتلأت شاشته بمحاضرات تشفي غليل الباحث، وتوقظ قلب الغافل. القضية -يا قارئي العزيز- ليست في توفر المحتوى. المحتوى يفيض حتى يغرقك. القضية في الاختيار. إما أن تملأ قلبك بالهم، وتستنزف وقتك في تحليل سبب عدم احتساب الحكم الفرنسي ضربة جزاء صريحة للنصيري أمام الهلال -ضربة لو كان الحكم والڤار عمياوان لرأوها- وإما أن تتعلم ما ينفعك لدنياك وآخرتك من علوم لا تنتهي. المسألة ليست في السرعة 2x، بل في الاتجاه الذي تسير فيه أصلاً.

سبق أن أشرتُ في مقالٍ سابق إلى هذا المعنى، وأكرره هنا: الإنسان لا يكفيه الندم على ضياع الوقت؛ بل يحتاج خطة. خطة بسيطة، واضحة، قابلة للتنفيذ. أن يقول مثلًا: هذا الشهر سأستمع إلى ثلاثين محاضرة في علمٍ محدد. سأتعلم فنًّا ما من عشرين محاضرة. سأستثمر طريقي إلى العمل في نوافل -ولو قضاء- بدل أن أستثمره في التذمّر. ليست القضية في ضخامة الهدف، بل في انتظامه. ساعة يوميًا قادرة على تغيير مسار سنة كاملة، وسنة منضبطة قادرة على تغيير مسار عمر. ولو عملتُ -وعملنا جميعًا- بخطط محكمة لاستثمار الوقت، فلست أشك انني شخصيا سأكون سراجشتاين، وأن أمتنا العربية، الواحدة ذات الرسالة الخالدة، ستكون أقرب إلى ما تستحق، وأبعد كثيرًا عن وضعها الحالي.