أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين تُرفع الهواتف أكثر من الأكفّ…

السيد أيمن أبو الرحي · القطيف اليومالأربعاء 25 مارس 2026، 12:07 م
حين تُرفع الهواتف أكثر من الأكفّ…

أزمة الخصوصية في بيوت الله
ليالي القدر بين خشوع العابدين وعدسات المتطفلين
في ليالٍ تتنفس فيها السماء،
وتتخفف الأرواح من أوزارها،
وتبحث القلوب عن نافذة نور…
تتسلل ظاهرة لا تشبه المكان، ولا تشبه الزمان، ولا تشبه الدعاء.
ظاهرة تُشبه الخنجر حين يُغرس في لحظة سجود.
ظاهرة تُشبه يدًا تعبث بستار نافذة مغلقة.
ظاهرة تُشبه ضوءًا يقتحم عتمة قلب جاء ليختلي بربه.
إنها الهواتف…
الهواتف التي تُرفع في بيوت الله أكثر مما تُرفع الأكفّ.
الهواتف التي صارت "ترندًا" يلتقط الوجوه، والدموع، والخواطر…
ثم يرميها في بحر لا قرار له.
إحدى الأخوات قالت لي — بصوتٍ يشبه الانكسار —:
"كرهت الذهاب للمسجد… صوروني دون علمي".
تخيل…
امرأة جاءت تبكي لله،
فخرجت تبكي من الناس.
أي جرح هذا؟
وأي ظلم أكبر من أن تُنتهك خصوصية مؤمنة جاءت لتناجي ربها؟

حين يخاف المؤمنون من بيوت الله
لم يعد الخوف من الزحام…
بل من العدسة.
لم يعد القلق من ضياع المكان…
بل من ضياع الستر.
امرأة ترفع عباءتها على وجهها حين ترى هاتفًا مرفوعًا.
أخرى تغيّر مكانها ثلاث مرات خوفًا من كاميرا عابثة.
وثالثة تقف عند باب المجلس الحسيني،
تتردد…
تتراجع…
ثم تعود أدراجها.
أي ذنب ارتكبناه حين جعلنا بيوت الله مكانًا تخشاه المؤمنات؟
وأي خلل أصابنا حين أصبحت المرأة تفكر ألف مرة قبل أن تدخل مجلسًا خُلق ليحتضنها لا ليُعرضها؟

حرمة المؤمن… أعظم من حرمة الكعبة
قال الإمام الصادق عليه السلام:
"حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة".
وقال رسول الله ﷺ:
"من كشف ستر مؤمن، كشف الله ستره يوم القيامة".
فكيف بمن يصوّر وجهًا خاشعًا؟
أو دمعة صادقة؟
أو امرأة جاءت تستتر بعبادتها؟
ثم ينشرها أمام العالم دون إذن أو حياء؟
أليس هذا كشفًا للستر؟
أليس هذا ظلمًا صريحًا؟
أليس هذا تعديًا على حرمة المكان والإنسان؟

ليالي القدر… بين كتابة الأقدار ورفع الهواتف
ليالي القدر ليست خلفية تصوير.
ليالي القدر ليست محتوى.
ليالي القدر ليست "برامج الأصفر والأسود" ولا "ترند".
إنها ليالٍ تُرفع فيها الأعمال…
وتُكتب فيها الأقدار…
وتُفتح فيها أبواب السماء.
فإياك — يا من ترفع هاتفك —
أن تجعل ليلة تُكتب فيها الأقدار،
ليلة تُكتب عليك فيها مظلمة.
وإياك أن تجعل من دمعة خاشعة
سببًا لدعوة مظلوم
تشقّ أبواب السماء.
من يضمن أن لا يقول أحدهم أو إحداهن:
"اللهم خذ بحقي ممن فضحني أو كشف وجهي أو نشر صورتي".
دعوة واحدة…
في ليلة واحدة…
قد تغيّر قدرك كله.

السكوت = تمادي = ترند = مرض = عادة
الصمت عن هذه الظاهرة ليس حيادًا…
بل مشاركة.
والسكوت اليوم يعني تماديًا غدًا.
والتمادي يتحول إلى ترند.
والترند يصبح مرضًا.
والمرض يصبح عادة.
حتى نصل — لا سمح الله —
إلى يوم نرى فيه الهواتف تُرفع في ليالي القدر
أكثر مما تُرفع الأكفّ بالدعاء والمصاحف.
يا لها من صورة…
لو رآها القلب لبكى قبل العين.

مسؤولية الخطباء والخطيبات
المنبر الذي هزّ عروش الظالمين…
قادر أن يهزّ عادة خاطئة.
والخطيب الذي يذكّر الناس بظلامة الحسين عليه السلام…
قادر أن يذكّرهم بحرمة المؤمن وستر المؤمن.
والخطيبة التي تربي جيلًا من الواعيات…
قادرة أن تقول كلمة توقف هذا النزيف الأخلاقي.
الكلمة مسؤولية.
والمنبر أمانة.
والسكوت خيانة لحرمة المكان.
نحتاج إلى موقف واضح…
صريح…
شجاع…
يُعيد للناس وعيهم،
ويُعيد لبيوت الله حرمتها.

ليس الحل جمع الهواتف… بل جمع الضمائر
لا نريد صناديق تُجمع فيها الهواتف.
ولا نريد شرطة تقف على الأبواب.
ولا نريد قوانين تُرهق الناس.
نريد شيئًا واحدًا فقط:
وعي.
أدب.
احترام.
خشوع.
نريد أن يعرف كل إنسان
أن حرمة المؤمن ليست لعبة،
وأن خصوصية الناس ليست محتوى،
وأن بيوت الله ليست مسرحًا للترندات.

صور ومقاطع… شاهدة على الجرح
(صورة مرفقة هنا )
هذه النماذج — رغم تعتيمها —
تكفي لتقول إن الجرح أعمق مما نظن،
وأن الصمت لم يعد خيارًا،
وأن روحانية المكان تُستنزف أمام أعيننا.

ولم أكتب هذا المقال من فراغ…
بل من رسائل وصلتني في ساعاتٍ يشبه فيها الليلُ صدورَ الخائفين.
رسائل من أخوات مؤمنات قلن لي — بوجع لا يخطئه القلب —:
"صرنا نخاف من الذهاب لبيوت الله… ليس من الزحام، بل من الكاميرات."
تأمل…
بيوت الله التي كانت ملجأً،
صارت عند بعضهن مصدر خوف.
المكان الذي يُفترض أن يضمّهن،
صار يطردهن بصمت عدسة لا ترحم.
صرنا — والله — نخشى الذهاب إلى الأماكن العبادية
لا من الزحام…
ولا من الحر…
ولا من ضيق المكان…
بل من هاتفٍ يُرفع في لحظة خشوع
فيكشف سترًا…
أو يسرق دمعة…
أو يفضح قلبًا جاء ليختلي بربه.
هذه ليست كلمات…
هذه أمانات.
أمانات وصلت إلى المنبر…
ووصلت إليّ.
وأمانة إذا سكتُّ عنها،
أكون قد شاركتُ في الجرح.
ولأن للمنبر صوتًا…
ولي صوت…
ولحروفي جمهور يسمع قبل أن يقرأ…
كان لزامًا عليّ أن أكتب.
أن أرفع الكلمة كما تُرفع الأكفّ.
أن أقول ما يجب أن يُقال…
قبل أن نفقد ما لا يُعوَّض.

خاتمة… كلمة تُقال لله قبل الناس
يا من ترفع هاتفك…
اتقِ الله في بيوت الله.
احفظ حرمة المكان.
احفظ قلوب الناس قبل صورهم.
ويا من تخشى التصوير…
اعلمي أن صوتك مسموع،
وأن جرحك مفهوم،
وأن كثيرين يقفون معك.
ويا خطباء المنبر وخطيباته…
الكلمة أمانة،
والناس تنتظر منكم موقفًا
يُعيد الأمور إلى نصابها.
ليالي القدر — ليالي المناسبات — ليست للكاميرات…
بل للقلوب.
وليست للترندات…
بل للأقدار.
وليست للهواتف…
بل لله.