الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ليست كل فكرة تصلح أن تتحول إلى مقال وليس كل ما يكتب ينشر

السيد ماجد الشبركه · القطيف اليومالإثنين 18 مايو 2026، 10:16 م
ليست كل فكرة تصلح أن تتحول إلى مقال وليس كل ما يكتب ينشر

منذ سنوات طويلة، والكتابة الصحفية والمقالية تعد مساحة مهمة للتعبير، ونافذة يطل منها الكاتب على المجتمع في «القطيف اليوم»، يناقش، ويقترح، وينتقد، ويضيء زوايا قد لا يلتفت لها الآخرون، لكن مع اتساع النشر، وتعدد المنصات، وسهولة وصول الكلمة للناس، ظهرت حاجة أكثر أهمية من مجرد إجادة الكتابة، وهي الوعي بما وراء الكتابة نفسها.

فالكاتب اليوم لا يكفي أن يمتلك أسلوبًا جميلًا، أو لغة قوية، أو قدرة على صياغة المقال، بل أصبح من الضروري أن يكون ملمًا بطبيعة المجتمع، ومتغيرات المرحلة، والأنظمة، والقوانين، والظروف العامة، والفارق بين الرأي الشخصي والمساحة العامة، وبين النقد المقبول والتجاوز الذي قد يسيء للآخرين أو يتدخل في خصوصياتهم أو يصنع إشكالًا لا داعي له.

وللتأكيد هنا، فإن الحديث لا يعني التقليل من الكتاب أو الانتقاص من أقلامهم، فلدينا كتاب يثرون الساحة يوميًا بمقالات جميلة وواعية ومتزنة، ويطرحون يوميًا أفكارًا راقية تستحق القراءة والاحترام، بل إن بعضهم أصبح نموذجًا في الطرح المسؤول الذي يجمع بين جودة الأسلوب ووعي الفكرة واحترام المجتمع والقارئ، والاستفادة من هذه الأقلام الواعية أمر مهم ومطلوب، لأنها تقدم صورة مشرقة للكتابة الهادفة التي تضيف ولا تثير، وتعالج ولا تصطدم.

أحيانًا تصل مواد مكتوبة بأسلوب ممتاز، وفكرة جذابة، لكن المشكلة ليست في اللغة ولا في جودة الصياغة، بل في توقيت الطرح، أو زاوية المعالجة، أو طبيعة الفكرة نفسها، لأن هناك قضايا لا تقاس فقط بمدى قدرة الكاتب على التعبير عنها، بل بمدى ملاءمتها للنشر أصلًا، ومدى فهم الكاتب لانعكاساتها الاجتماعية أو القانونية أو الإنسانية.

والكاتب الواعي لا يكتب فقط لأنه يستطيع الكتابة، بل لأنه يدرك أثر الكلمة، ويعرف أن المقال ليس جلسة خاصة، ولا مساحة لتصفية الانطباعات الشخصية، ولا منصة للوصاية على الناس، ولا أداة للحكم على المجتمع أو تصنيف أفراده أو التدخل في خياراتهم الخاصة أو ظروفهم الشخصية.

ومن المهم أيضًا أن يدرك الكاتب أن المجتمع ليس نسخة واحدة، ولا يعيش بعقلية واحدة، ولا ينظر للأمور بالزاوية نفسها، وما يراه شخص رأيًا عابرًا قد يراه آخر إساءة أو تعميمًا أو تدخلًا غير مقبول، خصوصًا حين يتحول المقال من مناقشة الفكرة إلى الاقتراب من الأشخاص، أو من النقد العام إلى التلميح الفردي، أو من الرأي إلى إصدار الأحكام.

وفي أحيان كثيرة، لا تكون المشكلة في نية الكاتب، فمعظم الكتاب يكتبون بحسن نية، وبرغبة حقيقية في الطرح والمشاركة، لكن حسن النية وحده لا يكفي دائمًا للنشر، لأن الكلمة المنشورة تختلف عن الحديث العابر، وما يقال في مجلس محدود قد يتحول على المنصات المفتوحة إلى مادة قابلة للتأويل والجدل وسوء الفهم.

كما أن بعض الكتاب ينسى أن المجتمع تغير، وأن مساحة الوعي توسعت، وأن هناك أنظمة تحفظ الحقوق، وحدودًا يجب احترامها، وخصوصيات لا يحق لأحد الاقتراب منها، حتى لو كان يعتقد أنه يكتب من باب النصح أو الرأي أو النقد الاجتماعي.

ولذلك، فإن الكاتب الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد المقالات التي يكتبها كثيرة كانت أو قليلة، بل بقدرته على معرفة ماذا يكتب، ومتى يكتب، وكيف يكتب، ولماذا يكتب أصلًا.

والأجمل دائمًا، أن يتحول القلم إلى مساحة وعي، لا مساحة صدام، وأن يكون المقال إضافة هادئة ومحترمة للمشهد، لا عبئًا عليه، لأن الكلمة حين تخرج للناس، لا تعود ملك صاحبها فقط، بل تصبح جزءًا من مسؤولية عامة، يقرأها الجميع، ويفسرها الجميع، وقد يتأثر بها الجميع.

ومن هنا، فإن مسؤولية الكاتب لا تبدأ عند أول سطر، بل قبل ذلك بكثير، عند لحظة التفكير نفسها، عندما يسأل نفسه بهدوء، هل هذه الفكرة مناسبة فعلًا للنشر، وهل تضيف شيئًا حقيقيًا، وهل تحترم الناس والمجتمع والأنظمة والمرحلة، لأن بعض المقالات قد تكون جيدة على الورق، لكنها ليست بالضرورة جيدة للنشر.