زهير العقيلي.. الغائب عنا الحاضر فينا

لم يكن خبر وفاة الأخ زهير العقيلي خبرًا عابرًا، بل خبرًا مدويًا، ليس بسبب طبيعة الوفاة فحسب، بل لأن الرحيل تجاوز مساحة جزيرة تاروت إلى الفضاء الإعلامي بشكله الواسع؛ من صحف إلكترونية وتقارير تلفزيونية، إلى قروبات رياضية محلية ومواقع شخصية، كلٌّ تحدث باقتضاب وإسهاب عن فجائعية الحدث الذي توزع بين الاستنفار وفقدان الأمل ونهاية رجل عشق البحر، وباستذكار مناقبه على مستويات عدة؛ اجتماعيًا، وبحريًا، وزراعيًا، ورياضيًا.
وخير دليل، حين شيع ليلًا إلى مثواه الأخير، حشود غفيرة حضرت لتوديعه، وداعًا مليئًا بالحزن والأسى والدموع لشخص ملك القلوب شعبيًا، وامتدت كثافة الحضور أكثر في مجالس الفاتحة.
زهير، وهو في عقده السادس، لا يهدأ ولا يستكين، فمن طبعه الحركة، فهو الكادح في الحياة بكل معاني الكدح. بجانب اشتغاله في ميناء الدمام (مخلص جمركي)، يكمل يومه بين الزرع وجني الثمر، ومواصلًا مكابداته عبر زورقه مدرعًا البحر لصيد الأسماك. شخص لا يعرف الراحة حتى بعد أن تقاعد، فالجلوس ليس من طبعه، ولا يحب أن يقف متفرجًا عن أي هبة اجتماعية، يساهم ويبادر من تلقاء نفسه بشكل عفوي، مجبول على حب العمل، وهو طبع متوارث من أسلافه.
ومعروف عن عائلة العقيلي، بتعداد أجيالها، حبها للعمل، والتي تعد ضمن أكبر العوائل في جزيرة تاروت، ولهم امتداد في صفوى والعوامية، ولهم عمق تاريخي ضارب في القدم، بجذور من اليمن وعبر الجزيرة العربية وبلاد الشام.
زهير عينة من طينة الأولين، «أبو فزعات»، من يناديه لتعديل ملعب ترابي وسط لهيب الشمس لدورة رياضية خيرية قادمة لا يتوانى لحظة عن المشاركة وإتمام المهمة، ويمتد عطاؤه في التنظيم والترتيب والتبرع والضيافة وتسهيل الفعالية، حتى بات وجهه مألوفًا للصغار والكبار من داخل الجزيرة وخارجها، وخصوصًا المجتمع الكروي الشعبي.
إن مجتمع فرق الحواري الرياضية في كل محافظة القطيف وعموم المنطقة الشرقية أكثر توادًا ولحمة وأكثر تقاربًا نفسيًا بين بعضهم البعض، بالقياس للأندية الرسمية التي تحكمها حساسية الربح والخسارة وترمومتر حرارة الأعصاب المشدودة بين صعود وهبوط.
بخلاف فرق الحواري الموزعين كالجراد المنتشر، يطيرون أسرابًا للتواجد في دورة هنا وهناك، خصوصًا إذا كان طابعها خيريًا، يدفعون مالًا من جيوبهم الخاصة من أجل المشاركة لإحياء التجمع الرياضي. يلعبون بحماس ولا يفكرون في الكسب أو الهزيمة، المهم التنافس الأخوي وتحايا مسبقة للفريق الذي سيظفر بكأس الدورة، ثم ينتهي كل شيء دون أي توتر ولا تلفظ مسيء ولا حتى نرفزة عابرة، فالكل في يقينه فائز ورابح.
صور تذكارية تجمعهم بابتسامات غامرة، ينفض التجمع على أمل اللقاء مجددًا والقلوب حبلى بالمحبة والوفاء، لا ينسون بعضهم البعض فهم على تواصل دائم، تحسبهم مجتمعًا راقيًا متحضرًا، وهم بالفعل كذلك.
ويدفعهم جمهور متيم بحضور متنوع، فترى الصبي واليافع ورجل الأعمال والأستاذ وبعضًا من شخصيات المجتمع حاضرة للمساهمة والتشجيع في مثل هذه الدورات التي لا تعرف الحواجز ولا التشابك، لأن القاسم المشترك التعاون وقضاء وقت ممتع بالاستمتاع باللعب وتشجيع المواهب الشابة.
ويقف خلف نجاح دورات كافل اليتيم والزواج الخيري التي تقام في جزيرة تاروت شخصيات عديدة، من ضمنهم زهير العقيلي، الحاضر في المحفلين وفي نسخ كثيرة، حتى بات وجهه مألوفًا عند اللاعبين والجمهور من تجهيز وتوزيع الطعام والترحاب ونثر الابتسامات.
زهير تربى رياضيًا في كنف نادٍ مصغر ريفي يدعى فريق العاصفة، والذي تغير مسماه لفريق الكواكب. فقد اتخذ حجرة في إحدى بيوتات الخارجية بتاروت مقرًا له منذ نهاية السبعينات الميلادية، ولحسن حظ كاتب السطور تردد على المكان بسبب تواجد الأخ والصديق جاسم أحمد الصايغ، المساهم إداريًا وفي تزيين الجدران بالأشكال الزخرفية والخطوط العربية، وترأس النادي لفترة معينة، حيث التنقلات في أكثر من منزل.
وجاسم قام بتوثيق إحدى تمارين الفريق في ملعبه الكائن بالعقير عبر كاميرا فيديو ثقيلة الوزن، كان ذلك صيف 1980، تصوير نادر لبدايات الكواكب التي تألق منذ ذلك الوقت بقيادة رئيسه الراحل علي حبيب العقيلي، الأخ الأكبر للمرحوم زهير، والذي استجلب بعضًا من لاعبي نادي الهدى في كرة القدم وكرة الطائرة.
ومن هنا، زهير يعرف جميع فرق الحواري في عموم القطيف، وله أصدقاء وأصحاب وعلاقات أخوية في كل مدينة وقرية وحي، ولديه مرجعية عن تحولات فريقه الكواكب، وهو المساهم في مسيرته لاعبًا في مراكز عدة؛ بدءًا من حراسة المرمى ومرورًا بجناح أيمن إلى ظهير أيسر، وثباتًا في قلب الدفاع حاملًا إشارة الكبتنية.
إذا جالسته يحدثك عن اللاعبين الذين مروا واعتزلوا، وعن الأفضل والأسرع والأحسن في فرق الحواري، ويحدثك عن بهجة الزرع والثمر، ويدخلك في عوالم البحر وأماكن الصيد الوفير. وإذا جلست معه مطولًا تحسب بأن الزمن توقف، خصوصًا إذا سرد عليك قصص من مضوا في دروب الشقاء والمعاناة، العابرون في فيافي الظل ولهيب الشمس، والذين اكتست أبدانهم بملح البحر وتخضبت أكفهم بطين الخور والمگطع وتجرحت أيديهم بالمگلع.
يا هل ترى، هل بلغ زهيرًا قصة جده والد والده، الحاج حسن علي العقيلي، المولع بالبحر العارف بأحوال الطقس ودورة الفصول؟
قال ذات صباح في أواخر شهر شعبان لأبناء عمه القاطنين في نخل يسمى «بيوده»: «لا يصيدكم البحر ترى في ضربة قوية جاية يسموها ضربة الميزان، انتفتوا لأنفسكم، صيروا رجال»، أجواء قارصة البرودة تأتي مباشرة بعد المربعانية لمضرة.
قدم النصح لهم بقلب عطوف، لكنه ذهب خلسة مع ربعه الأشداء لمصائد الأسماك «الحضور» الكائنة شمال جزيرة تاروت، التي تضيع في الأفق، فالقاطنون قرية الزور لا يرون الحضور لأنها في «محل غزير» مشيدة في البعد.
خاض شديدو البأس البحر وقطعوا مسافة «بالبانوش» ـ قارب صغير ـ يتقدمهم قائدهم الحاج حسن علي العقيلي الذي شجعهم وحثهم على ذلك مؤكدًا لهم: «جاينا رمضان ورانا جهال».
حين ترجلوا ألفوا الحضور مليئة بالهوامير والربيان، وهم يعرفون سلفًا ذلك. ضحكوا فرحًا لأن مثل هكذا غنيمة بحرية تجزيهم بيعها لتوفير مقاضي الشهر الفضيل، وأسهم توزع عليهم بالتساوي من أجل نشرها تحت أشعة الشمس، المعروفة بالسمك المجفف.
انقض البحارة في الغرف والغرف من «الحضرة» إلى جوف البانوش، همة فرسان بيقين لا يهزم أمام معركة البرد والبحر اللذين يضربان في العظم، مقاومين هبوب الريح العاتية وبرودة الماء القاسية.
وبين حراك دؤوب وسباق محموم لجمع أكبر قدر من الأسماك، وقائدهم يقول لهم: «همة همة يا الربع»، ما أن أكمل جملته وإذا به يهوي صريعًا بين البانوش وباب الحضرة، طاح مغشيًا عليه.
حسبوا بأن دورة رأس ألمت به فجأة، «دايخ من التعب»، وظنوا بأنه في حالة إغماء وسوف يفيق بعد لحظات، مددوه فوق كومة السمك فاغرًا فاه لكن أطرافه متجمدة، حركوه يمنة ويسرة، هزوه هزًا، وضع أحدهم أذنيه على صدره لعل نبضًا يسمع، لكن القلب توقف عن النبض.
روح فارقت الحياة في عرض البحر.
حملوه ووضعوا بطنه على ظهر حمار، وبعض الأسماك لم تزل تتقافز من المراحل تضرب يديه ورجليه. مات شخص مفتول العضل عارف بالولمة وجغرافية البحر، لم يهنأ بصيده الأخير، وهو الذي دفع صحبه للولوج للبحر في وقت خطر.
عبروا به دربًا بين الماء والقرم واليابسة، درب سلكه لأكثر من ستين عامًا ولم يدرِ أنه سيرجع يومًا غائبًا عنه، لا يتكلم عن محطاته ولا يرى مخاضاته، مغلق العينين للأبد.
طرقوا باب بيت عمه الحاج أبو ناصر حجي محمد العقيلي الكائن في نخل بيوده، وقالوا له: «هذا جثمان ابن أخيك، وافته المنية واحنا نباري لحضور».
تنهد طويلًا ضاربًا كفًا بكف قائلًا: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
مددوه على «السمة» ـ حصير غليظ وعريض ـ بينما النساء والأطفال في صراخ وعويل، وانكبت عليه زوجته لتودعه الوداع الأخير، الريح تعوي والنخل حزين، وصدى نحيب أولاد أبو ناصر يزلزل المكان وهم يرددون: «راح الولد اللي ربيته يا أبونا».
إنسان خاف على أخوته وأبناء عمه من غدر البحر، وخاطر بنفسه من أجل أن يزودهم بخيرات الصيد الوفير ليساعدهم بشيء من مؤونة الشهر الفضيل، ما أصعب أن تأكل لقمة ضحى من أجلك حبيب.
تدور الأيام وتتعاقب السنون وتنسى حكاية الحاج حسن علي العقيلي التائهة وسط صخب أزمنة البحر، ويأتي حفيده ابن ولده حبيب، زهير، العاشق للبحر والمتمرس في فنونه، الحامل جينات كفاح أبيه البحار وأجداده.
وعلى رسله، بعد أن أتم تنظيم دورة «كافل اليتيم»، يدخل البحر كعادته، فيناديه للأعمق ويغدر به غيلة بين موجه المتلاطم.
إن كنت يا زهير فارقت الحياة وحيدًا في عرض البحر من أجل صيد معتاد، فذاك جدك فارق الحياة بحثًا عن الصيد ذاته، مات بين أيدي ربعه وخلانه.
هل تناهى لسمعك يا زهير صوت سميك حكيم الشعراء في زمن الجاهلية، زهير بن أبي سلمى:
«رأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ
تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِىء يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ»
هي المنايا معلقة بين طرفة عين وانتباهتها، لا تدري نفس إذا حان أجلها أن تغادر الحياة بغتة، سواء في عزلة أو بين أحضان الحبايب، ولا تعلم بأي أرض ولا زمن تموت.
ما أقسى أن نفقد عزيزًا أحب الناس مثل حبه لأهله وأولاده، وكأن المجتمع بالنسبة لزهير العقيلي عشيرته وأحبابه.
غاب عنا زهير، لكن سيرته العطرة تفوح بشذاها الفواح في نفوسنا.
المروية البحرية التاريخية هي على لسان الحاج عبدالله علي بن علي العقيلي، وهي مليئة بالتفاصيل وتداخلات الأسماء والأنساب، وجزء من المعلومات الرياضية زودني بها الأخ محمد الدهان أبو الحمزة وكذا الصور، أطال الله في عمرهما بصحة وعافية، ورحم الله زهير حبيب حسن علي العقيلي رحمة واسعة.
كلنا راحلون عن هذه الدنيا الفانية، ويبقى الذكر الحسن.
وداعًا يا أبا حسن، فقد أحسنت العشرة لكل من عرفك وخدمت الناس، وشمس عطائك حاضرة فينا.



