أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عليٌّ عليه السلام… الإمام الذي يتسع للجميع

د. ماهر ال سيف · القطيف اليومالسبت 6 يونيو 2026، 1:21 م
عليٌّ عليه السلام… الإمام الذي يتسع للجميع

حين نذكر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فإننا لا نستدعي اسمًا لطائفة، ولا رمزًا لجماعة، بل نستدعي قامةً إسلاميةً وإنسانيةً سامقة، اجتمعت حولها القلوب قبل المذاهب، وانحنت أمامها العقول قبل الأقلام. فعليٌّ ليس ملكًا لفريق دون فريق، ولا حكرًا على مذهب دون مذهب؛ بل هو ابن بيت النبوة، وربيب الرسالة، وسيف الإسلام، وصوت العدالة، وباب الحكمة، ومحراب البلاغة.

هو عليٌّ الذي لم يعرف السجود لصنم، ولم تُدنّس فطرته ظلمة الجاهلية، بل نشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتربّى في بيت الوحي، وفتح عينيه على نور النبوة قبل أن تفتح الدنيا عينيها على عدل الإسلام. وهو أول من آمن من الفتيان، فكان إيمانه في بدايات الدعوة شاهدًا على صفاء القلب، وسبق الروح، وطهارة المعدن.

وهو ابن عم رسول الله، وزوج فاطمة الزهراء البتول، سيدة نساء العالمين، وأبو الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة. وبذلك لم يكن قريبًا من النبي نسبًا فحسب، بل كان قريبًا منه روحًا وبيتًا وسيرةً وموقفًا. وإذا كان الناس يتقربون إلى العظماء بالصحبة، فقد كان عليٌّ من رسول الله في موضع القربى والرعاية والثقة والمحبة.

وفي ليلة الهجرة، يوم أحاط الخطر ببيت النبوة، وتهيأت سيوف قريش لتغتال نور الرسالة، نام عليٌّ في فراش رسول الله، فدى النبي بروحه، ونام مطمئن القلب حيث يخاف الشجعان. لم يكن ذلك موقف شجاعة عابرة، بل كان إعلانًا خالدًا أن عليًّا إذا حضر موضع الحق لم يسأل عن ثمنه، وإذا دُعي إلى الفداء لم يفاوض على روحه.

وفي ميادين الإسلام الكبرى، كان عليٌّ راية لا تنكسر، وسيفًا لا يتردد، وقلبًا لا يعرف الفرار. هو الكرار لا الفرار، يوم كانت الشجاعة موقفًا لا شعارًا. وفي خيبر، يوم استعصت الحصون، أعطى رسول الله الراية لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ فكان عليًّا، وفتحت على يديه أبواب الحصن قبل أن تفتح أبواب التاريخ لسيرته. وفي الخندق، يوم برز عمرو بن ود، وارتجفت أمامه النفوس، خرج عليٌّ ثابتًا، فكان موقفه دفاعًا عن المدينة، وعن الإسلام، وعن مستقبل الأمة.

وليس مقام عليٍّ مقام السيف وحده؛ بل هو مقام العلم والحكمة والبيان. فقد كان بحرًا في الفقه، وإمامًا في القضاء، وذروةً في البلاغة، حتى صار نهج بيانه مدرسةً للعقل واللغة والروح. من قرأ كلماته في العدل والزهد والحق والناس، شعر أن الحروف إذا خرجت من قلب صادق صارت نورًا، وإذا سكنت عقلًا ربانيًا صارت منهج حياة.

وهو من أهل الكساء، ومن أهل البيت الذين شملتهم آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. وهو الذي تولّى غسل رسول الله وتكفينه ودفنه، في لحظةٍ لا يثبت لها إلا قلبٌ عرف النبي في الحياة، وبقي وفيًّا له بعد الرحيل.

وفي مقامه بين المسلمين، يكفي الإمام عليًّا عليه السلام أنه موضع إجلالٍ ومحبةٍ عند عامة الأمة، وأن سيرته حاضرة في كتب المسلمين وقلوبهم، بما حملته من سبقٍ في الإسلام، وقربٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشجاعةٍ في المواقف، وعدلٍ في الحكم، وبلاغةٍ في البيان، وزهدٍ في الدنيا. وقد بقي اسمه عبر القرون عنوانًا للعلم والوفاء والنبل، لا يختلف المنصفون في فضله، ولا يتردد المحبون في الاعتزاز بسيرته، فهو من الرموز الكبرى التي تجمع ولا تفرّق، وتذكّر المسلمين بما في تاريخهم من قممٍ مضيئة.

ويوم غدير خم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه»؛ وهي كلمة بقيت في وجدان المسلمين عنوان محبة ونصرة ووفاء، يتنافس فيها المحبون لا على الخصومة، بل على الاقتداء. فمن أحب عليًّا حقًّا فليأخذ من عدله، ومن تمسك به صدقًا فليقترب من زهده، ومن رفع اسمه فليخفض جناحه للحق، فالانتماء إلى علي ليس هتافًا في اللسان، بل استقامة في الميزان.

ولذلك لم يعجب به المسلمون وحدهم، بل وقف أمام شخصيته كتّاب ومفكرون من غير المسلمين، وخاصة من المسيحيين العرب، فرأوا فيه إنسان العدالة قبل عنوان السياسة، ورجل الحق قبل حدود الطائفة. كتب جورج جرداق موسوعته الشهيرة «الإمام علي صوت العدالة الإنسانية»، وكتب سليمان كتاني «الإمام علي نبراس ومتراس»، وأنشد بولس سلامة في ملحمته «عيد الغدير» حبًّا أدبيًا ساميًا لهذه الشخصية التي تجاوزت حدود الزمان والمكان.

إن الإمام عليًّا عليه السلام ليس جدارًا يفصل المسلمين، بل جسرٌ يجمعهم؛ وليس رايةً للفرقة، بل مدرسةٌ للوحدة إذا قرأناه كما عاش: عبدًا لله، ناصرًا لرسوله، محبًا للحق، زاهدًا في الدنيا، عادلًا مع الناس، شجاعًا أمام الباطل، رحيمًا بالضعفاء.

فليتنافس المتنافسون في حبه، لا بالتعصب له، بل بالتخلق بأخلاقه. وليقل كل مسلم: لي من عليٍّ نصيب بقدر ما في قلبي من عدل، وما في يدي من إنصاف، وما في لساني من صدق، وما في موقفي من شجاعة. فحب عليٍّ ليس خلافًا بين القلوب، بل ميثاقٌ مع الحق، ومن أحب الحق أحب عليًّا، ومن أحب عليًّا صادقًا اقترب من روح الإسلام.