وَرَثَةُ مرعوب

قد لا تحتاج إلى ثروة كي تصبح حديث الناس ولا إلى منصب ولا إلى بطولة.
يكفي أحيانًا أن تفعل شيئًا طبيعيًا في غير موعده المعتاد.
وهنا تبدأ الحكاية.
كان الرجل معروفًا منذ سنوات يخرج ويعود في أوقات محددة ويجلس في مكانه المعتاد ويشتري حاجاته من الأماكن المعتادة.
حتى إن بعض الناس لو أغلقوا أعينهم لتخيلوه واقفًا في الموضع نفسه الذي اعتادوا رؤيته فيه.
ثم حدث ما أربك هذا الاستقرار كله.
اشترى حذاءً رياضيًا.
ولبس الحذاء وخرج يمشي كل مساء.
لا أكثر.
هذا كل ما في الموضوع.
لكن بعض الوقائع الصغيرة تمتلك قدرة عجيبة على إشعال الخيال.
في الأسبوع الأول كان الأمر مجرد ملاحظة.
في الأسبوع الثاني صار سؤالًا.
في الأسبوع الثالث أصبح ملفًا مفتوحًا.
الرجل يمشي..
والحي يفكر..
الرجل يعود إلى منزله..
والحي ما زال يفكر..
الرجل ينام..
والحي يتولى بقية المهمة.
العجيب أن أحدًا لم يسأله مباشرة.
فالجواب المباشر قصير.
أما التأويلات فتعيش أعمارًا أطول.
بعد شهر صار المشي موضوعًا يستحق التحليل.
هناك من رأى أن وراءه وعكة صحية وهناك من ربطه بأمر مالي وهناك من اكتشف خيوطًا عائلية لا يعلمها أصحابها أنفسهم وكان هناك من يتحدث عن مفاجأة كبيرة تقترب.
أما الرجل فكان كل ما يريده أن يتخلص من بعض الكيلوغرامات التي قررت الإقامة عنده إقامة دائمة.
وفي أحد الأيام وجدته عند بوفية صغيرة يلتهم فطيرة ساخنة بشهية إنسان صالح الحياة بعد هدنة طويلة.
قلت له..
يبدو أنك جاد في موضوع المشي.
ضحك حتى كاد يُسقط الفطيرة من يده.
ثم قال..
ـ في البداية كنت أمشي لأجل صحتي.
أما الآن فأمشي لأعرف آخر الأخبار عن نفسي.
قلت..
ماذا تقصد؟
قال..
كل يوم أكتشف شيئًا جديدًا.
مرة أكون مريضًا..
ومرة أكون داخل مشروع..
ومرة أكون على وشك السفر..
وأمس فقط عرفت أنني أفكر في الزواج!
قلت..
ومن أخبرك؟
قال..
الناس.
ثم أخذ قضمة كبيرة وأضاف..
الجميل أنهم يعرفون عن حياتي أكثر مما أعرف.
في تلك اللحظة مرّ شاب على دراجة كهربائية.
توقف..
وسلّم.
ثم سأله..
بشرنا… الأمور طيبة؟
نظر إليه الرجل طويلًا..
ثم قال..
أي أمور؟
ارتبك الشاب..
ابتسم..
وانصرف..
وبقي السؤال معلقًا في الهواء يبحث عن صاحبه.
انفجر الرجل ضاحكًا..
وقال..
هذا نفسه سألني قبل فترة إن كنت سأنتقل من البيت.
وقبله آخر سألني عن المشروع.
وقبله واحد هنأني على شيء لا أعرفه أصلًا.
ثم هز رأسه وقال..
يبدو أنني أصبحت شركة مساهمة عامة.
عدت إلى البيت وأنا أفكر في المسألة..
ليس في الرجل..
ولا في المشي..
وإنما في تلك الشهية العجيبة التي تدفع بعض البشر إلى البحث عن قصة أكبر من الحقيقة..
كأن الوقائع إذا جاءت بحجمها الطبيعي لا تكفي..
فتُضاف إليها غرف جديدة..
وأبواب جديدة..
ونوافذ جديدة..
وأحيانًا عمارة كاملة.
وفي تلك اللحظة تذكرت مرعوب..
ولم أتذكره لأن الحكاية متشابهة.
تذكرته لأن الحكاية نفسها تتكرر كل يوم بأسماء مختلفة.
كان مرعوب مقتنعًا أنه يتعقب أمرًا خطيرًا وكلما تحرك ما أمامه تحرك وراءه..
لفّ فلفّ وراءه..
واتجه فاتجه وراءه..
ودخل الصاغة فدخل وراءه..
وخرج منها فخرج وراءه..
ودخل المسقّف فدخل وراءه..
ثم دخل المسجد فدخل وراءه..
كبر فكبر وراءه..
وصلى فصلى وراءه..
وسلّم فسلّم وراءه..
وكان يزداد يقينًا مع كل خطوة فكل دقيقة جديدة كانت عنده دليلًا إضافيًا على أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
وهنا تكمن الطرافة كلها.
فالإنسان أحيانًا لا يتمسك بفكرته لأنها صحيحة فهو يتمسك بها لأنه استثمر فيها كثيرًا من الوقت.
والرجوع بعد نصف ساعة من الركض يبدو أثقل على النفس من مواصلة الركض نفسه.
ثم جاءت اللحظة الشهيرة..
رفع صاحب البشت وجهه..
وظهر الملا هلال.
فاشتعل حمود الطواش استغرابًا..
“ملا هلال؟! وانت يا هالأثول ما تعرف عمك؟! وصار لك ساعة تلاحق بشت!”
ضحك الناس يومها..
وما زالوا يضحكون..
أما الذي يلفتني في المشهد كلما مرّت السنوات فهو شيء آخر..
مرعوب لم يكن غبيًا..
كان جادًا أكثر من اللازم..
كان يبذل جهدًا حقيقيًا..
يمشي..
ويتابع..
ويراقب..
ويستنتج..
ويجمع الشواهد..
المشكلة لم تكن في الجهد..
المشكلة كانت في الاتجاه..
ولهذا أشعر أحيانًا أن مرعوب لم يبقَ في المسلسل..
خرج منه منذ زمن طويل.
أراه في خصومة بدأت بسوء فهم صغير ثم كبرت لأن أحد الطرفين لم يشأ أن يتراجع..
وأراه في شخص جمع عشرات الأدلة لإثبات ظنٍ خاطئ..
وأراه في آخر يقضي سنوات يفسر كلمة قيلت في مجلس..
وأراه في رجل يرهق نفسه باحثًا عن أسرار لا وجود لها..
وأراه كثيرًا حين يقرر أحدهم تفسير حياة إنسان كاملة من حذاء رياضي.
بعد أشهر توقف الرجل عن المشي..
اختفت التحليلات..
وتبخرت الروايات..
وماتت القصص كلها دفعة واحدة..
وكأنها كانت تعيش على حذائه.
وفي مساء لاحق رأيته جالسًا أمام دكان أبو محسن يحتسي الشاي.
سألته..
لماذا توقفت؟
قال..
وصلت إلى الوزن الذي أريده.
ثم اقترب قليلًا وأضاف..
وأشفقت على الناس.
قلت..
من ماذا؟
قال..
من التعب..
يكفي ما ركضوا خلفي.
ضحكت.
وضحك.
وفكرت أن الرجل نجح فعلًا في إنقاص وزنه.
أما البقية فكانوا منشغلين طوال تلك المدة بمطاردة حذائه.
ومع مرور السنين بدا لي أن البشت لم يكن سوى تفصيل صغير في الحكاية.
أما الحكاية نفسها فما زالت تتكرر كل يوم.
مرة تكون حذاءً..
ومرة كلمة..
ومرة ظنًا..
ومرة خلافًا..
ومرة فكرة أخطأنا في فهمها منذ البداية ثم واصلنا السير خلفها لأن التراجع صار محرجًا.
ولهذا حين أرى أحدًا يركض طويلًا خلف استنتاج واحد ويجمع له الشواهد ويبني فوقه الطوابق ويغضب ممن يشكك فيه.. أتذكر مرعوب.
وأبتسم..
ثم أقول في نفسي..
لعلّ صاحبنا لا يطارد الحقيقة…
لعلّه ما زال يلاحق البشت.



