فيض العطاء.. آخر الدروس (٢)

قراءة في وصية المرجع الراحل الشيخ الفياض (قده):
إن دفن المرجع الفياض (قده) في موضع علمه وتعليمه وتأليفه ونشاطه المعرفي والتبليغي يحمل دلالاتٍ كثيرة، فيكفي أنه رسالة بأن العمر الشريف الذي قضاه قد كرّسه في طريق العلم والتعليم وتربية النفس، وكفى به نهجًا وهدفًا نبيلًا. فقد أوقف حياته كلها جهدًا ووقتًا واهتمامًا باستلهام المعارف، ومن ثم تبليغها، فكأنه يعلن أن حياته كلها كانت وقفًا للمعرفة، وأن البدن الذي أفنى عمره في خدمة الرسالة لا يبتغي بعد الرحيل سوى البقاء قريبًا من المكان الذي أدى فيه تكليفه الشرعي والعلمي. فتلك البقعة الطاهرة لمدفنه خير شاهد ودليل يقدم به على الرب الجليل، فيشهد له بالموافاة وتأدية الحق والرسالة العلمية التي حملها على عاتقه ولم يتخلَّ عنها أبدًا.
ومن عاشره وعاصره من العلماء والمؤمنين يعرفون تمام المعرفة ما اتصف به من تواضع جمّ، وزهد، وبساطة، وابتعاد عن الأضواء، مع انشغاله الدائم بالبحث والتدريس والتأليف والإجابة عن أسئلة المؤمنين. وهذا ما ينسجم مع وصيته الداعية إلى الزهد العملي عن متاع الدنيا الزائل، فما يستحق التعلق والاهتمام هو تكوين المخزون والزاد المعرفي الذي يشكل قبس النور لسلوكيات الإنسان.
والمشروع الذي قضى جل عمره الشريف من أجله كان صناعة أجيال علمية تحمل الوعي والمسؤولية التبليغية، أجيال تحمل ذلك التراث النوراني من المعارف القرآنية والأحكام الشرعية والتوجيهات الأخلاقية الصانعة للإنسان المتألق. فلم يكن مشروعه (قده) بناء صورة شخصية أو صناعة مجد دنيوي يخصه، أو وضع لمسة بيانية باسمه الشخصي، بقدر ما كان بناء القامات العلمية.
ومن أهم الدروس الأخلاقية والعرفانية التي يقدمها (قده) بشكل عملي تلك الحياة البسيطة ومعالم الزهد التي عاشها وطبقها في حياته، بعيدًا عن زخارف الدنيا ومتاعها الزائل. فالزهد موقف معرفي يظهر فيه الإنسان قدر فهمه وإدراكه لحقيقة الدنيا والرحيل عنها يومًا ما دون أن يأخذ معه شيئًا من متاعها إلا عمله المدوَّن في صحيفته. فالزهد إدراك لحقيقة الدنيا وحدودها، وتوجيه للبصيرة نحو ما يبقى بعد الموت وما ينفع صاحبه عند الحساب. ولذلك جاءت وصية المرجع الراحل وكأنها درس عملي في معنى الزهد الحقيقي، الذي لا يظهر في الأقوال فحسب، بل يتجلى في الخيارات المصيرية أيضًا، والقرارات والوصايا المخبرة عن فحوى تفكير صاحبها وسيرته.
إن القبور مهما اكتسبت من قداسة أو شهرة تبقى معالم صامتة، أما العلم فيبقى حيًا في العقول والقلوب. وإن بقاء ذكر الشيخ الفياض (رض) لن يكون مرتبطًا بمكان دفنه بقدر ما سيكون مرتبطًا ببحوثه الفقهية والأصولية، وتلامذته الأبرار، ومواقفه الأخلاقية، وما قدمه للأمة من عطاء علمي متواصل لا ينضب، مع استكمال المتخذين له قدوة ونهجًا لمسيرته المعرفية. فقد أراد في وصيته الأخيرة أن يوجه الأنظار إلى الرسالة والجوهر لا إلى الشخص، وهكذا تحولت لحظة الوداع إلى درس تربوي بليغ يذكّر الأجيال بأن قيمة الإنسان فيما يتركه من نور ومعالم هداية وتبليغ، لا فيما يُشيَّد حوله من مظاهر الدنيا.



