أغنياء بالدخل فقراء بالالتزامات؟

ليس كلُّ من استلم راتبًا جيدًا استطاع أن يعيش به جيدًا، فالعبرة ليست بما يدخل الحساب، بل بما يبقى بعد الحساب.
شاب راتبه 8,000 ريال قد يبدو في أول الشهر مستور الحال، لكن حين نضع الواقع أمام الرقم تتغير الصورة؛ ألفا ريال للإيجار، و1,500 ريال لقسط السيارة، و500 ريال للاتصالات والإنترنت، و1,500 ريال للطعام والاحتياجات اليومية، و800 ريال للوقود والصيانة، ثم تأتي المناسبات والملابس والطوارئ، فلا يبقى من الراتب إلا القليل، وربما لا يبقى شيء.
وشاب آخر راتبه 10,000 ريال، لكنه متزوج ولديه طفل؛ يدفع 2,500 ريال للسكن، و1,800 ريال للسيارة، ونحو 2,000 ريال للغذاء، وقرابة 1,000 ريال للفواتير والوقود، ثم تأتي مصاريف الطفل والصحة والملابس والمناسبات. هنا قد يكون راتبه في نظر الناس جيدًا، لكنه في ميزانية الأسرة بالكاد يمنحه هامشًا للادخار.
بل قد نجد شابًا راتبه 7,000 ريال بلا قروض كبيرة، يسكن في منزل عائلي، وسيارته بلا قسط، فيستطيع أن يدخر ألفي ريال شهريًا؛ بينما آخر راتبه 10,000 ريال ويعيش تحت ثلاثة أقساط، فلا يستطيع ادخار خمسمائة ريال.
فمن منهما أغنى؟
اقتصاديًا، الأول قد يكون أقوى؛ لأن الغنى لا يُقاس بالراتب وحده، بل بنسبة ما تملكه فعلًا من راتبك بعد أن يأخذ كل التزام نصيبه.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الدخل المتاح؛ أي ما يبقى للأسرة بعد النفقات الأساسية والالتزامات الشهرية. فقد يكون راتبك عشرة آلاف، لكن دخلك المتاح الحقيقي ألف ريال فقط، وقد يكون راتب غيرك سبعة آلاف، ودخله المتاح ثلاثة آلاف.
ولهذا فإن أكبر خطأ مالي يقع فيه بعض الشباب هو أن يبني مستوى معيشته على رقم الراتب لا على الفائض من الراتب.
فيأخذ السيارة التي تناسب راتب عشرة آلاف، والهاتف الذي يناسب راتب عشرة آلاف، والسفر الذي يناسب راتب عشرة آلاف، ثم يكتشف أن الراتب نفسه عليه أن يدفع الإيجار والطعام والوقود والصيانة والطوارئ.
والراتب الواحد لا يستطيع أن يعيش عشر حيوات.
إن الأسرة المستقرة ماليًا ليست الأسرة التي يظهر عليها الثراء، بل التي تستطيع أن تنهي الشهر دون استدانة، وتواجه العارض دون اقتراض، وتدخر للمستقبل دون حرمان.
ولهذا ينبغي أن نسأل أبناءنا قبل شراء السيارة أو الدخول في تمويل أو استئجار منزل مرتفع التكلفة:
كم سيبقى لك بعد هذا القرار؟
لا تسأل فقط: هل تستطيع دفع القسط؟
بل اسأل: هل تستطيع أن تعيش بعد القسط؟
فالثراء الحقيقي ليس أن تستلم عشرة آلاف ريال في أول الشهر، بل أن يبقى لك منها شيء في آخره؛ تدخره إذا استقرت الأيام، ويسندك إذا اضطربت الأحوال.
فقد يكون الإنسان غنيّ الراتب فقيرَ الهامش، وقد يكون متوسطَ الراتب غنيَّ القرار.
والغنى في النهاية ليس رقمًا يُكتب في مسير الرواتب، بل مساحة أمانٍ في الحياة، وفائضًا بعد الحاجة، وقرارًا لا تحكمه الأقساط ولا يطارده آخر الشهر.



