حين يصبح المنصب غذاءً للأنا

المنصب الإداري اختبار غريب للإنسان.
هناك من يحصل عليه فيزداد هدوءًا، لأنه يعرف حجم المسؤولية التي أصبحت عليه. وهناك من يحصل عليه فيكتشف فجأة أهمية صوته، ورأيه، وقراراته، وربما أهمية نفسه أيضًا.
ومع الأيام، يبدأ في الاستمتاع بفكرة أن بإمكانه أن يقول فيُنفذ، وأن يرفض فينتهي الأمر، وأن يقرر وعلى الآخرين أن يتعاملوا مع القرار.
وهنا تبدأ الأنا بتناول وجبتها.
قرار صغير هنا، فرض رأي هناك، اعتراض ينتهي بجملة تذكّر الجميع بمن يملك الصلاحية… وهكذا، حتى يصبح للمنصب طعم جميل يصعب الاستغناء عنه.
ومع الوقت، يصبح الاعتراض أمرًا مزعجًا.
ليس لأن المعترض بالضرورة مخطئ، ولكن لأنه أفسد لحظة جميلة كان من المفترض أن تنتهي بالموافقة.
والأسوأ أن يقول أحدهم: لا.
فهذه الكلمة الصغيرة قد تكون ثقيلة جدًا على شخص اعتاد أن تكون كلمته هي الأخيرة.
لذلك تبدأ معارك غريبة على أمور لا تستحق أصلًا أن تكون معارك. ويجلس الموظف يحاول أن يفهم سبب كل هذا الإصرار، بينما السبب في الحقيقة أبسط مما يتوقع:
الموضوع لم يعد عن العمل.
أصبح عن الأنا.
والأنا، عندما تتغذى جيدًا، تصبح حساسة جدًا. تحتاج إلى التقدير، والطاعة، والشعور المستمر بأنها صاحبة اليد العليا. أما النقاش والمراجعة والتراجع، فكلها قد تفسد شهيتها.
لذلك يفضّل البعض الموظف الذي يقول حاضر
على الموظف الذي يسأل: لماذا؟
ويفضّل الصمت على النقاش.
ثم ينظر إلى هذا الصمت بفخر، ويعتبره دليلًا على قوة شخصيته.
مع أن للصمت تفسيرات كثيرة.
أحيانًا يكون احترامًا.
وأحيانًا يكون الموظفون قد اكتشفوا ببساطة أن لديهم أشياء أهم يفعلونها من الدخول في نقاش يعرفون نهايته مسبقًا.
المشكلة أن المنصب قادر فعلًا على صنع هذا الوهم.
يجعل الإنسان يظن أن تنفيذ قراراته يعني الاقتناع بها، وأن قلة الاعتراض تعني الرضا، وأن امتلاكه للكلمة الأخيرة يعني أنه صاحب الرأي الأفضل.
وهكذا تستمر الأنا في الأكل.
حتى يأتي يوم يصبح فيه المنصب أصغر من أن يشبعها.
وعندها لا يعود السؤال: كيف أُدير هذا المكان؟
بل: كيف أجعل هذا المكان يشعر، كل يوم، أنني أنا من يديره؟
وهنا تحديدًا، يتوقف المنصب عن خدمة العمل…
ويبدأ العمل بخدمة الأنا.



