أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الخالق يجبر كسرنا

محمد الصغير · القطيف اليومالثلاثاء 22 سبتمبر 2026، 7:01 ص
الخالق يجبر كسرنا

تمر بنا أحيانًا أيام نشعر فيها أن الأمور قد ضاقت من كل جانب، وأن بعض الأبواب التي طرقناها كثيرًا لن تفتح، وأن ما نتمناه أصبح بعيدًا.

وقد ننام ونحن نحمل في داخلنا سؤالًا لا نجد له جوابًا، ثم نستيقظ ولا نعرف ماذا تخبئ لنا الساعات القادمة.

وأنا مثل غيري مررت بمواقف ظننت فيها أن الحل بعيد، وأن الأمر سيبقى كما هو، ثم مرت الأيام وتغيرت الأمور بطريقة لم أكن أتوقعها، وعرفت بعدها أن كثيرًا من الخوف الذي حملته في قلبي لم يكن يستحق كل ذلك القلق.

ومن أجمل ما قيل في مثل هذه المواقف:

ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعًا وعند الله منها المخرج

وضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فُرجت وكنت أظنها لا تُفرج

كلما قرأت هذين البيتين شعرت أنهما يختصران شيئًا كبيرًا من تجاربنا؛ فكم من أمر ظنناه نهاية ثم مضى، وكم من باب حسبناه مغلقًا ثم فتح الله لنا غيره، وكم من أمنية تأخر تحقيقها ثم جاءت في وقت أدركنا معه أن التأخير كان لحكمة لم نكن نعرفها.

الحياة لا تعطينا دائمًا ما نريد في الوقت الذي نريده، وقد تأخذ منا أشياء كنا نظن أننا لا نستطيع العيش من دونها، ثم نتعلم مع الأيام أن الإنسان أقوى مما يظن، وأن القلب يستطيع أن يتجاوز أشياء كان يعتقد أنها ستبقى فيه إلى الأبد.

وليس معنى الإيمان أن الإنسان لا يحزن أو لا يتعب، فهناك أيام تثقل القلب فعلًا، ونحتاج فيها إلى أن نبتعد قليلًا عن كل شيء، وأن نمنح أنفسنا فرصة للهدوء.

وقد تكون أجمل لحظات القوة أن نعترف بأننا تعبنا، ثم نترك ما عجزنا عن حمله بين يدي الله.

تعلمت مع الوقت أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى معرفة كيف ستنتهي الأمور، يكفي أحيانًا أن يمضي خطوة أخرى، وأن يترك لله ما لا يستطيع تغييره، فربما كان خلف الأمر الذي أتعبه خير لم يكن يراه.

لذلك لا تحمل قلبك أكثر مما يحتمل، ولا تجعل لحظة صعبة تختصر لك الحياة كلها، فما يؤلمك اليوم ليس بالضرورة أن يبقى معك غدًا.

دع الخالق يجبر كسر قلبك، واترك له ما عجزت عن حمله وحدك، ولا تستعجل الفرج، فقد يأتي الخير من طريق لم يخطر لك على بال.

ومع مرور السنوات نكتشف أن بعض ما أبكانا بالأمس أصبح اليوم ذكرى نحمد الله أنها مرت، وأن بعض ما ظنناه خسارة كان بداية لشيء آخر لم نكن نعرف أنه ينتظرنا.

وفي النهاية يبقى أجمل ما نملكه هو الأمل، وأن نعرف أن الله يرى ضعفنا ويعلم ما في قلوبنا، وأن ما عنده خير لنا وإن تأخر فهمنا له.

اللهم اجبر قلوبنا جبرًا يليق بكرمك، وامنحنا من الطمأنينة ما يخفف عنا ثقل الأيام، واحفظ لنا أهلنا ومن نحب، واغفر لوالدينا، وبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا.

اللهم لا تجعل في قلوبنا همًا إلا فرجته، ولا أمرًا صعبًا إلا يسّرته، ولا انتظارًا إلا جعلت بعده بشرى جميلة، واجعل القادم من أيامنا خيرًا مما مضى، وصل اللهم على محمد وآل محمد…