أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الصداقة ليست مجرد جلسة

محمد الصغير · القطيف اليومالأربعاء 23 سبتمبر 2026، 11:43 ص
الصداقة ليست مجرد جلسة

كثيرون يظنون أن الصداقة هي لقاء يتكرر، وجلسات نجتمع فيها، وضحكات نتبادلها يومًا بعد يوم، حتى نظن أن من نراه دائمًا هو صديقنا حقًا. لكن الصداقة أعمق من ذلك، فهي لا تقاس بكثرة اللقاءات ولا بطول الأحاديث، وإنما بما ينمو بين القلوب من مودة، وما تثبته الأيام من مواقف.

فالصديق الحقيقي هو من تشعر معه بالأمان حين تتحدث، فتأتمنه على بعض أسرارك، وتطمئن إلى أنه لن يجعل من حديثك مادة يتناقلها الآخرون، وهو من يعرفك كما أنت، دون أن تحتاج إلى أن تتجمل أمامه أو تخفي عنه ما يؤلمك.

وليس معنى ذلك أن الصديق الحقيقي يجب أن يكون حاضرًا في كل وقت، أو أن يعرف حاجتك قبل أن تتحدث، فلكل إنسان ظروفه وانشغالاته، وقد يقصر الصديق أحيانًا أو يغيب، دون أن يعني ذلك أن مكانتك تغيرت. فالصداقة الصادقة لا تقوم على الكمال، وإنما على حسن النية والوفاء وصدق الموقف.

وفي الأيام العادية قد يحيط بنا الكثير من الرفاق، وقد نظن أن الجميع أصدقاء، لكن تغير الظروف يكشف لنا طبيعة العلاقات. فهناك من يكون قريبًا لأن اللقاء جمعنا به باستمرار، وهناك من قد تباعدنا عنه المسافات وتقل بيننا اللقاءات، لكنه يبقى قريبًا من القلب.

وقد تمر أشهر طويلة لا نرى فيها صديقًا عزيزًا، ثم نلتقي به فنشعر أن شيئًا لم يتغير، لأن العلاقة لم تكن قائمة على كثرة الجلسات وحدها، وإنما على عشرة تركت أثرًا ومودة لم تمحها الأيام.

والصديق الحقيقي ليس من يوافقك في كل شيء، بل من يستطيع أن يختلف معك ويحفظ لك مكانتك، وينصحك عندما يرى أنك تحتاج إلى النصيحة، دون أن يحول اختلافه معك إلى خصومة. فالصداقة الناضجة لا تعني أن نتشابه في كل شيء، وإنما أن يبقى الود حاضرًا رغم الاختلاف.

ومن أجمل صور الصداقة أن يحفظك صديقك في غيابك كما يحفظك في حضورك، فلا يستغل لحظة ضعف مررت بها، ولا يجعل من أسرارك وسيلة للحديث عنك، ولا يغير موقفه منك لمجرد أن الظروف تغيرت.

وقد لا يستطيع الصديق أن يحل مشكلاتك أو يغير ظروفك، لكنه يستطيع أن يسمعك حين تحتاج إلى من يسمع، وأن يقف بالقرب منك عندما تثقل عليك الأيام، وربما تكون كلمة صادقة منه في وقتها أكثر أثرًا من حلول كثيرة.

وأحيانًا لا نحتاج من الصديق أكثر من أن نشعر أنه موجود، وأن هناك شخصًا يهتم لأمرنا، ويفرح لفرحنا، ويتمنى لنا الخير، وهذا الشعور وحده يمنح القلب شيئًا من الطمأنينة.

ومع مرور السنوات نكتشف أن الحياة لا تبقي لنا كل من عرفناهم، فالأماكن تتغير، والمسافات تتباعد، والناس ينشغلون بحياتهم، لكن بعض الصداقات تستمر لأنها لم تكن معلقة بكثرة اللقاء، وإنما قامت على محبة حقيقية وذكريات ومواقف لا تنسى.

ولهذا لا ينبغي أن نحكم على صداقة أحد بعدد اتصالاته أو كثرة لقاءاته فقط، فقد يكون الإنسان منشغلًا لكنه يحمل لك مكانة كبيرة، وقد يكون قريبًا منك كل يوم دون أن تكون بينكما تلك الثقة التي تصنع الصداقة الحقيقية.

وقد لا يحتاج الإنسان إلى عشرات الأصدقاء، وربما يكفيه عدد قليل من الأشخاص الذين يستطيع أن يكون معهم على طبيعته، ويعرف أنهم، وإن اختلفوا معه أو غابوا عنه، فلن تتحول المودة بينهم إلى خصومة.

وكم من شخص عرفناه سنوات، ثم اكتشفنا أن العلاقة كانت مجرد معرفة عابرة، وكم من شخص أبعدته عنا الظروف، لكنه بقي قريبًا من القلب، لأن ما جمعنا به كان أعمق من المكان وأقوى من كثرة اللقاءات.

والصداقة أيضًا مسؤولية متبادلة، فلا يصح أن ننتظر دائمًا من الصديق أن يسأل ويبادر ويقف معنا، بينما لا نقدم له الشيء نفسه. فكما نحتاج إلى شخص نشعر معه بالأمان، يحتاج هو كذلك إلى من يسأل عنه، ويطمئن عليه، ويقف إلى جانبه عندما تضيق به الحياة.

فإذا رزقك الله صديقًا صادقًا، فاحفظ هذه العلاقة، ولا تستهِن بها، ولا تجعل الاختلاف العابر أو الغياب المؤقت سببًا لخسارة إنسان كان لك فيه مواقف جميلة. فبعض العلاقات لا تحتاج إلى كثرة الكلام بقدر ما تحتاج إلى تقدير ووفاء.

وفي النهاية، قد نلتقي بأشخاص كثيرين، ونجلس مع أعداد كبيرة، ونضحك مع هذا، ونتحدث مع ذاك، لكن القليل منهم فقط يتركون في حياتنا أثرًا يبقى مع مرور السنوات.

وهنا نكتشف أن الصداقة ليست مجرد جلسة، ولا عددًا من اللقاءات، ولا ساعات نقضيها معًا. الصداقة أن تجد إنسانًا تستطيع أن تكون معه على طبيعتك، وأن تختلف معه دون أن تخسره، وأن تغيب عنه دون أن تشعر أنك فقدته، وأن تعرف في داخلك أن المودة بينكما أكبر من ظرف عابر أو مسافة أو انشغال.

فالصديق الحقيقي ليس الإنسان الذي يكون معك في كل لحظة، وإنما الإنسان الذي تكون علاقتك به صادقة حتى في لحظات الغياب.

وهذه من أجمل نعم الحياة، أن تجد قلبًا تطمئن إليه، وإنسانًا تستطيع أن تضع عنده بعض تعبك دون خوف، وأن تعرف أن بينكما من المودة ما يجعل الأيام الجميلة أجمل، والأيام الصعبة أهون…