أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بستان قلم

سوزان آل حمود · القطيف اليومالجمعة 25 سبتمبر 2026، 1:32 م
بستان قلم

ثمة أقلامٌ تكتب لأن لديها ما تقوله، وأقلامٌ أخرى تكتب لأن الصمت، في داخلها، أصبح أضيق من أن يتسع لكل هذا الكلام.

وبين القلمين مسافةٌ لا تُقاس بعدد الصفحات، ولا بغزارة المفردات، ولا بقدرة الكاتب على تزيين جمله بالمحسنات ، إنها المسافة بين من يعرف اللغة، ومن عاشها.

فالكتابة في جوهرها ليست صناعة حروف، وإنما صناعة أثر.

ولهذا كلما تأملتُ قلمًا صادقًا، تخيلته شجرةً وحيدة في آخر البستان لا يلتفت إليها العابرون كثيرًا، لكنها تعرف كيف تعيش بعيدًا عن الضجيج، وكيف تمد جذورها عميقًا في أرضٍ لا يراها أحد.
ثم، في موسمها، تُثمر.
ولا تسأل الثمرةُ من مرّ بجانبها، ولا كم يدًا ستقطفها.
يكفيها أنها نضجت (حينهاتصبح الكتابة شجرةً ويصبح القارئ آخر ثمارها).

لكل كاتب بستانه الخاص.
قد لا يراه أحد، لكنه يعيش داخله طوال الوقت.
فيه شجرةٌ لوجهٍ لم ينسه، وأخرى لصوتٍ غاب ولم يغادر، وثالثةٌ لمدينةٍ تركها خلفه وظلت هي تسكنه. فيه مقعدٌ قديم تجلس عليه ذاكرةٌ لا تشيخ، ونافذةٌ تطل على طفولة بعيدة، وبئرٌ عميقة يخفي الكاتب فيها أسئلته التي لم يجد لها جوابًا.
ومن هذا البستان تخرج الكتابة.
لهذا لا تستطيع أن تطلب من كاتب أن يكتب عن شيء لم يلامس شيئًا فيه.

قد يكتب عن البحر دون أن يكون بحارًا، وعن الفقد دون أن يحكي فقده، وعن الحب دون أن يسمي محبوبه ، لكن لا بد أن تكون هناك قطرة من تجربته مختبئة في مكان ما بين السطور.

الكاتب، مهما حاول الاختباء خلف شخصياته، يترك شيئًا منه.
بصمته في الجملة، خوفه في الصمت، وذاكرته في التفاصيل.

حين تصبح الكلمة ذاكرة،الكلمات كثيرة.لكن الكلمات التي تبقى قليلة.
ربما لأننا لا نتذكر ما قيل لنا كاملًا، بل نتذكر ما حرّك فينا شيئًا.
جملةٌ سمعناها في الوقت الخطأ، فبقيت معنا طويلًا.
عبارةٌ قرأناها في لحظة انكسار، فبدت وكأن الكاتب يعرفنا شخصيًا.
سطرٌ عابر مررنا عليه دون اهتمام، ثم عاد إلينا بعد سنوات، عندما أصبحت الحياة مستعدة لفهمه.
هنا تكمن قوة الأدب.

فالكاتب لا يكتب للقارئ الذي يجلس أمام الصفحة في تلك اللحظة فقط .
إنه يكتب أيضًا لذلك الإنسان الذي سيأتي بعد عام، أو بعد عشرة أعوام، ويقرأ الجملة نفسها بعينٍ مختلفة.
فالنص الجيد لا يكبر على الورق وحده.
يكبر داخل قارئه.
وكلما تغيّر القارئ، اكتشف في النص غرفةً جديدة.

هناك فرق بين قلمٍ قديم وقلمٍ ناضج.
القِدم وحده لا يصنع الحكمة.
قد يكتب الإنسان أعوامًا، ويبقى يدور حول الجملة نفسها.
وقد يكتب آخر نصوصًا قليلة، لكنها تحمل من العمر ما لا تحمله مجلدات.
النضج الكتابي لا يأتي من عدد السنين التي أمسكنا فيها القلم، بل من عدد المرات التي غيّرتنا فيها الحياة.
من خذلانٍ جعلنا أكثر فهمًا للآخرين.
من خسارةٍ جعلتنا نعرف قيمة الأشياء قبل أن تغادر.
من صداقةٍ علمتنا أن البشر لا يُقاسون بما يقولون، بل بما يفعلون حين لا يحتاجون منا شيئًا.

من وحدةٍ طويلة اكتشفنا فيها أن الإنسان قد يكون محاطًا بالعالم كله، ومع ذلك يحتاج إلى كلمة واحدة كي يشعر أنه ليس وحيدًا.
تلك التفاصيل هي مدرسة الكاتب الحقيقية.
والحياة، بخلاف المدارس، لا تمنح شهادات.
تمنح ندوبًا.
والكاتب الجيد يعرف كيف يحوّل الندبة إلى سطر.

في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات أسرع من الأفكار، صار من السهل أن يبدو النص جميلًا.
لكن الجمال وحده لا يكفي.
يمكن للعبارة أن ترتدي أفخم ثيابها، ثم تخرج من النص بلا روح.
ويمكن لجملة بسيطة، تكاد تبدو عارية من الزخرف، أن تطرق القلب طرقًا لا تستطيع البلاغة وحدها أن تفعله.
لهذا ليست مهمة الكاتب أن يثبت للقارئ أنه يعرف كلمات كثيرة.
مهمته أن يجعل القارئ ينسى الكاتب ويتذكر المعنى.
فالكاتب الذي يظهر في كل سطر، قد يحجب النص عن قارئه.
أما الكاتب الحقيقي، فيعرف متى يتراجع خطوة.
يترك الجملة تتنفس.
يترك المعنى يمشي وحده.
ثم يختفي.
وكأن الكتابة عنده ليست منصة يقف عليها، بل نافذة يفتحها.
لذا لا تُكثر من العطر… إذا كان البستان بلا زهر

أحيانًا لا يكون أجمل ما في النص ما كُتب.
بل ما لم يُكتب.
تلك المساحة الصغيرة بين جملتين، حيث يستطيع القارئ أن يضع تجربته الخاصة.
فالكاتب الذي يشرح كل شيء يقتل دهشة القارئ.
أما الذي يعرف متى يصمت، فإنه يمنحه فرصة أن يكون شريكًا في الكتابة.
ولهذا بعض النصوص لا تُقرأ مرة واحدة.
في القراءة الأولى نرى كلماتها.
وفي الثانية نرى أنفسنا.
وفي الثالثة نكتشف أن الكاتب كان يقول شيئًا آخر تمامًا.
وهذه، في ظني، إحدى علامات النص الذي يستحق أن يعيش:
أن يتغير كلما تغيّر قارئه.

ولعل أجمل ما في القلم أنه يستطيع أن يمنح الأشياء عمرًا ثانيًا.
وجهٌ غاب، تحفظه الكتابة.
مكانٌ اندثر، تعيد الكلمات بناءه.
صوتٌ خفت، تمنحه السطور فرصة أخرى لأن يُسمع.
حتى الألم، ذلك الضيف الثقيل الذي نتمنى أحيانًا لو لم نعرفه، تستطيع الكتابة أن تعيد تقديمه لنا بطريقة أقل قسوة.
وهنا لا تكون الكتابة هروبًا من الحياة.
بل مواجهة لها.
أن تنظر إلى ما حدث، دون أن تنكر وجعه.
أن تمسك الخسارة من يدها، ثم تسألها:
ماذا علمتِني؟
فبعض التجارب لا تأتي لتسعدنا.
تأتي لتصنع منا أشخاصًا لم نكن نستطيع أن نصبحهم بغيرها.

ختامًا
قد ينسى الناس اسم المقال، واسم الكاتب، وحتى المناسبة التي كُتبت من أجلها الكلمات.
لكنهم لا ينسون دائمًا الشعور الذي تركته فيهم.
وهنا ينجح القلم.
ليس حين يصفق له القارئ، ولا حين تتناقله الصفحات، ولا حين يقال عن صاحبه: «ما أجمل لغته».
ينجح حين يغلق القارئ الصفحة…
ثم يبقى صامتًا قليلًا.
كأن شيئًا في داخله تحرك.
كأن نافذةً قديمة فُتحت فجأة.
كأن شخصًا ما قال له، من بين السطور:
«أنا أعرف هذا الشعور… لقد مررتُ به أيضًا.»
عندها يصبح الكاتب أكثر من كاتب.
ويصبح النص أكثر من نص.
وتتحول الصفحة البيضاء إلى أرضٍ خصبة، تتحول الكلمات فيها إلى جذور، والجمل إلى أغصان، والمعاني إلى ثمار.
وربما بعد سنوات، يمر قارئ آخر من المكان نفسه، فيقطف ثمرة لم يكن الكاتب يعرف أنها نضجت.
وهنا تكمن مفارقة الكتابة الجميلة:
أن الكاتب يزرع الكلمة في يومه…
لكن القارئ قد يجد ثمرتها بعد سنوات.
لذلك لا تسألوا القلم كم كتب.
اسألوه:
كم روحًا ترك فيها شجرة؟